
حتى العدس أصبح رفاهية.. من ينقذ المواطن السوداني من جحيم الغلاء؟ حين تتحول أبسط مقومات المعيشة إلى أحلام مؤجلة، يصبح إنقاذ المواطن السوداني أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل نقطة سطر جديد إخلاص محمد إبراهيم
حتى العدس أصبح رفاهية.. من ينقذ المواطن السوداني من جحيم الغلاء؟
حين تتحول أبسط مقومات المعيشة إلى أحلام مؤجلة، يصبح إنقاذ المواطن السوداني أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل
نقطة سطر جديد
إخلاص محمد إبراهيم
يعيش السودان أزمة معيشية خانقة، تتفاقم يومًا بعد يوم بفعل الغلاء المتصاعد والتدهور المستمر في قيمة الجنيه السوداني. ويخوض المواطن معركة يومية لتوفير أبسط احتياجات الحياة، حتى أصبح العدس رفاهية لدى بعض الأسر، فيما تحول كوب شاي الصباح، الذي اعتاد السودانيون أن يستهلوا به يومهم، إلى عبء ثقيل على ميزانية الأسرة. فكيف يعيش المواطن الذي بات عاجزًا عن تأمين قوت يومه ووجبة إفطاره؟
بلغ الغلاء حدًّا طاحنًا، حتى إن الألف جنيه التي كان الناس يمنحونها للمحتاجين لم تعد تكفي لشراء أبسط الضروريات. وأمام هذا الواقع القاسي، تتزايد مشاعر العجز واليأس بين المواطنين، في ظل ظروف معيشية تحرم كثيرين من القدرة على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
كيف يعيش المواطن السوداني في ظل هذه الظروف؟ وأين الحكومة من غلاء يلتهم دخول الناس ويقضي على ما تبقى من قدرتهم الشرائية؟ إن الأزمة لم تعد تحتمل الانتظار، بل تستدعي حلولًا عاجلة وواقعية تعيد إلى المواطن قدرته على العيش بكرامة.
الاستعانة بالإسلاميين لتجاوز المحنة
أنصح حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالاستعانة بالإسلاميين، إلى جانب سائر الكفاءات الوطنية، للمساهمة في تجاوز هذه الأزمة الكارثية. فالسودان، قبل إسقاط حكومة السيد الصادق المهدي في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م، كان يعاني أزمات اقتصادية وغلاءً فاحشًا وندرةً في بعض السلع الأساسية، وقد قاسى الشعب السوداني آنذاك ظروفًا معيشية صعبة.
وقد تباينت الآراء بشأن أسباب الأزمة والمسؤولية عنها، وتبادلت القوى السياسية الاتهامات. أما اليوم، فأرى أن الحكمة تقتضي تجاوز الخصومات السياسية، والاستفادة من تجارب الماضي بما لها وما عليها، والبحث عن حلول عملية تخفف معاناة المواطنين.
ومن هنا، أدعو حكومة البرهان إلى فتح الأبواب أمام الكفاءات الإسلامية وغيرها من الكفاءات الوطنية، والاستفادة من خبراتها في إدارة الشأن العام، بعيدًا عن الإقصاء والحسابات الحزبية. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما توظيف الخبرات المتاحة لمواجهة تحديات الحاضر.
حسن الترابي.. ظاهرة فكرية يصعب تكرارها
في بداية عهد الإنقاذ، كان الإسلاميون أكثر تماسكًا حول قياداتهم، وفي مقدمتهم الشيخ الدكتور حسن الترابي، المفكر ورجل القانون، الذي كان من أبرز الشخصيات المؤثرة في الحياة السياسية والفكرية السودانية.
ومهما اختلف الناس حول أفكاره ومواقفه، فإنني أراه ظاهرة فكرية وسياسية مميزة يصعب تكرارها بسهولة. وربما نحتاج إلى قرن من الزمان حتى تظهر شخصية تشبهه في التفكير والعلم والتدين والحضور الفكري.
(لا تغضبوا، فهذه هي الحقيقة!)
هذه قناعتي التي أعبّر عنها بوضوح، من دون أن يعني ذلك الدعوة إلى العودة إلى الماضي بكل ما فيه، أو تجاهل الأخطاء التي تستحق المراجعة. فلكل تجربة جوانب إيجابية وأخرى سلبية، والعبرة بما يمكن استخلاصه منها لخدمة الوطن.
والمهم الآن هو الاستعانة بمن تبقّى من أصحاب الخبرة والقدرة على العطاء من الإسلاميين، إن توافرت فيهم الكفاءة اللازمة. فبحسب علمي، رحل كثيرون منهم إلى رحمة الله، فيما قد تحول الظروف الصحية دون مشاركة من تبقّى منهم بفاعلية في العمل العام. ولذلك، ينبغي البحث عن الكفاءات القادرة على الإسهام في إخراج السودان من أزمته.
إعادة الجمعيات التعاونية واللجان الشعبية إلى الأحياء
من الحلول التي أرى ضرورة النظر فيها إعادة تفعيل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية واللجان الشعبية في الأحياء، لتؤدي دورها في توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين.
غير أن نجاح هذه المؤسسات يرتبط بحسن إدارتها؛ إذ يجب اختيار أشخاص مشهود لهم بالأمانة والنزاهة ونظافة اليد، مع إخضاع أعمالهم للرقابة والمحاسبة، حتى لا تتحول إلى أبواب جديدة للفساد أو وسيلة لاستغلال حاجة الناس.
لقد زادت الحرب من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وأصبحت مكافحة الفساد وضمان الإدارة النزيهة للموارد ضرورة لا تحتمل التأجيل. ولذلك، ينبغي إسناد هذه المسؤوليات إلى من تتوافر فيهم الكفاءة والنزاهة، ويثبتون قدرتهم على خدمة المجتمع بعيدًا عن المحسوبية والمصالح الشخصية.
وإذا أُديرت الجمعيات التعاونية بصورة سليمة، فإنها تستطيع الإسهام في توفير السلع الأساسية بأسعار معقولة، بينما تساعد اللجان الشعبية على تحديد احتياجات الأسر الأكثر ضعفًا وتنظيم المبادرات المجتمعية لدعمها.
المواطن لا ينتظر المعجزات.. بل يريد أن يعيش بكرامة
يمر السودان بمرحلة بالغة الصعوبة، والمواطن هو الذي يتحمل العبء الأكبر من تدهور العملة وارتفاع الأسعار وتداعيات الحرب. ولم يعد كثيرون يطلبون الرفاهية، بل أصبح همّهم تأمين الطعام والدواء وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
رسالتي إلى حكومة البرهان واضحة: استفيدوا من الكفاءات الوطنية بمختلف انتماءاتها، وادرسوا تجارب الماضي بعقل منفتح، وأعيدوا تنظيم الجمعيات التعاونية واللجان الشعبية وفق أسس تقوم على الأمانة والكفاءة والشفافية.
فلا الإسلاميون وحدهم يملكون الحل، ولا إقصاؤهم أو إقصاء غيرهم يمكن أن ينقذ البلاد؛ إنما العبرة بقدرة أصحاب الخبرة على تقديم حلول واقعية، والعمل بإخلاص من أجل الشعب السوداني.
فحين يصبح العدس رفاهية، وشاي الصباح عبئًا، ويعجز المواطن عن توفير قوت يومه، فإن الأزمة تتجاوز الأرقام الاقتصادية لتصبح معاناة إنسانية تستوجب التحرك العاجل.
إن السودان يحتاج إلى إرادة جادة، وسياسات عملية، وأيدٍ أمينة تعمل من أجل المواطن؛ لأن إنقاذ الناس من الجوع والغلاء ليس منّة من الحكومة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.