تقارير

حدود المنطق.. المخابرات العامة والقوات المسلحة،، عين ترصد، ويدٌ تضرب.. إسماعيل جبريل تيسو

حدود المنطق..

المخابرات العامة والقوات المسلحة،، عين ترصد، ويدٌ تضرب..

إسماعيل جبريل تيسو..

لعل واحدة من المواقف الإيجابية التي تمخضت عن حرب الكرامة الوطنية، كان ذلك التناغم الكبير والانسجام السلس الذي ضمّخ علاقة القوات المسلحة بجهاز المخابرات العامة، حيث شكّلا معاً جسداً صلباً، وساقين ثابتتين وقفت عليهما البلاد وهي تواجه واحدة من أعقد وأقسى لحظاتها التاريخية، فقد أثبتت هاتان المؤسستان أن الانتصار في الحرب لا يكون فقط بعدد البنادق، ولا بوفرة العتاد، وإنما بقدرة الأجهزة والمؤسسات على التماسك، لتصبح الدولة جسداً واحداً تتحرك أطرافه بإرادة موحّدة، وهذا ما حدث بالفعل بين القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة، حيث كان التنسيق المحكم في أعلى مستوياته، مما أدى إلى إلحاق هزائم ساحقة ومتلاحقة بميليشيا الدعم السريع، ولعل مرحلة ما بعد الحرب تنتظر دوراً أكبر من قبل المؤسستين في تعزيز الأمن والاستقرار، وإرساء دائم التنمية والإعمار.

 

واستشرافاً لهذه المرحلة تأتي زيارة نائب مدير جهاز المخابرات العامة، الفريق الركن عباس محمد بخيت، إلى الولاية الشمالية وتفقده قيادة الفرقة (19) مشاة مروي، زيارةٌ حملت دلالات عميقة على مستوى تعزيز التنسيق المحكم والشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين العسكريتين الأكثر تأثيراً في معركة استعادة الدولة، ولعل أبرز دلالة لهذه الزيارة أن الأمن والدفاع في السودان اليوم يُداران بعقلية الفريق الواحد، وبإدراك واعٍ لطبيعة المعركة وتعقيداتها.

 

لقد شهدت حرب الكرامة الوطنية انهيار كثير من القيم والمواثيق، وانكشاف وجوه كانت تتدثر بشعارات زائفة، غير أن هذا الانهيار قابله صعود لافت لقيم التضحية والانتماء داخل مؤسسات الدولة النظامية، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة، فعلى الرغم من الضربة الغادرة التي تلقاها الجهاز بحل وتفكيك هيئة العمليات، رأس الرمح في عملياته القتالية، إلا أن منسوبي الجهاز قدّموا درساً عملياً في الوطنية، حين انخرط معظمهم في القتال من مواقعهم المختلفة، وحملوا البنادق والتزموا الخنادق إلى جانب القوات المسلحة، دون انتظار قرار أو توجيه.

 

نجح أولئك الرجال الأبطال، الذين حاول قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو تحييدهم بإلغاء الهيئة، في ترجيح كفة المعركة في محطات مفصلية، وهو ما عجّل بقرار رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بإعادة تفعيل هيئة العمليات، لتعود كذراع ميدانية فاعلة وقوات عمل خاص، بثّت الرعب في صفوف الميليشيا المتمردة وأسهمت بوضوح في دعم الجيش عبر تعزيز العمل الاستخباري المباشر، وتفعيل عمليات الرصد والتعقب، الأمر الذي مكّن القوات المسلحة والمكونات النظامية المساندة من تنفيذ ضربات استباقية ناجحة أربكت مخططات العدو وغيّرت موازين المعركة في أكثر من جبهة.

 

بهذا الدور، تحوّل جهاز المخابرات العامة إلى صمام أمان حقيقي للدولة السودانية، لم يكتفِ بالمشاركة القتالية، بل قدّم أرتالاً من الشهداء والجرحى، وأسهم بكوادره الاحترافية في تفكيك خلايا نائمة، وضرب شبكات تجسس مرتبطة بالميليشيا وحلفائها الخارجيين، وتوفير معلومات دقيقة عن التحركات والخطط، ما عزّز قدرة الدولة على حماية ظهرها الداخلي وتأمين جبهاتها المفتوحة.

 

وتأتي أهمية زيارة الفريق الركن عباس محمد بخيت إلى مروي من كونها تؤكد هذا النهج المؤسسي في التنسيق والتكامل، لا سيما وأن الولاية الشمالية تمثل بوابة أمنية بالغة الحساسية، وتتقاطع استراتيجياً مع إقليم دارفور، الذي يُتوقع أن يشهد خلال الفترة المقبلة حراكاً عسكرياً كثيفاً لإنهاء وجود الميليشيا المتمردة المحصورة في جيوب معروفة، الأمر الذي يجعل من التنسيق بين الجيش والمخابرات ضرورةً وطنية تفرضها طبيعة التهديدات وتشابك الجبهات.

 

عموماً فقد أعادت معركة الكرامة الوطنية تعريف مفهوم الشراكة الأمنية في السودان، ورسّخت قناعة بأن وحدة القرار وتكامل الأدوار بين القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة هما حجر الزاوية في حماية الدولة واستعادة هيبتها، فحين تسير المؤسستان جنباً إلى جنب، بعين ترصد وذراع تضرب، يصبح الوطن أكثر قدرة على الصمود، ويقترب السودانيون خطوة إضافية من فجر الاستقرار المنشود.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى