
(حسن عبد الوهاب).. إعلامي بلا حدود
سيرة باقية تجددها ألسن وفية بقروب العاملين.. كأنما في الأمر مناسبة يتنادى إليها من ظلوا يشكون وحشة داهمت الكل.. تذكرت المناسبة الأبهى.. كانت بقاعة الصداقة، صداها يتردد مازال على(النت)- صورة وصوتا، لتتجلى مكانته حضورا بين الناس بلا حدود.. المشهد شاهق، كأنه البارحة.. يتقدمه(ناس التلفزيون والزومة ومدني وأهل بصيري) وما أوفاهم ..الكاميرا نحوه تتشابى، تبدو محتفظة بعلاقتها به، بشغفها بتلقائيته ونجوميته.. كان حاضرا بمقامه الوجيه- ذاك طوال الجلسة بينما الأوسمة تتلألأ والكلمات المبذولة عنه تتداعي بأناقة.. تمعن ثم تبسم وحين تكلم غلب عليه شعور ظل يقاومه.. كان قد أفصح عنه فى تكريم له أمس.. إنه لا يحتمل التكريم، يريده لغيره!.
فى تكريم له أمس شهدته جالسا في الصفوف الخلفية!..إتجهت إليه مع صاحب الدعوة، مهندس عمر أبو القاسم مؤسس جامعة قاردن سيتي القائمة بالتكريم..إتجه نحونا بأنظاره قبل أن نصله قائلا محتجا بشوشا(يا جماعة!.. في ناس تانين أولي مني بالتكريم)!..ما(لاويناه)!..فهذا ديدنه- التواضع، يرجع الفضل لغيره وإن كان به أولى ..هذا موجز سيرته وهي تتجلي بالجامعة وبالقاعة وبأي محفل عرف من هو؟.
من هو؟..فى تكريمه بالقاعة(حسن عبدالوهاب.. إرادة حياة ، 1933 -2020)..تواترت سيرته حافلة بين يدي تكريم قومي محضور، رموز الدولة وولاية الجزيرة، خبراء إعلام يتصدرهم بروفسير علي محمد شمو..وتترى الإهداءات:(وسام العلم والفنون والآداب الذهبي)من رئاسة الدولة..(درع) الجزيرة.. هدية(ناس الزومة)..فأوشحة وشهادات تقدير من أندية ثقافية، إتحاد الشباب، و(أسر الزملاء) تتقدمهم أسرة المذيع محمد البصيري، رحمه الله- صفيه في الإبداع.. برامجهما ما زالت في الخاطر.
سجله البرامجي حافل.. (قوافل الزمان) وحوارات جريئة مع مشاهير، منهم زعماء ومناضلين أفارقة أسهموا في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية وتلاقوا بالخرطوم على هامش مؤتمرها في مايو1978 ..منهم روبرت موقابي- أول رئيس لناميبيا، سامورا ميشيل- أول رئيس لموزمبيق، الرئيس أنور السادات، وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة.. فضلا عن لقاءات لافتة مع أدباء وكتاب مشاهير، منهم أنيس منصور الذي إعترف أن من حاوره أبهره!..فى عام 2012 قدم سهرة مع بروفسير علي شمو بمناسبة العيد الذهبي للتلفزيون..كان حوارا ممتعا وموثقا لكامل تجربتيهما، ولتجربة التلفزيون المحتفي به.
من هو؟..السؤال يتجدد.. موقع(السودان الآن)أورد سيرته الذاتية يوم وفاته.. من مواليد(الزومة) بالولاية الشمالية، تلقى تعليمه بود مدني، فأم درمان..إلتحق بكلية القانون جامعة الخرطوم في العام 1961وفصل لأسباب سياسية.. ذهب في بعثة دراسية بأمريكا، جامعة أنديانا، 1967..عام 1969 بداية عمله بتلفزيون..إشتهر كبرامجي وسريعا ما تصدر إدارة البرامج..عام 1978أختير رئيساً للوفد الإعلامي المرافق للرئيس في رحلة خارجية..في ألمانيا وأثناء أداء مهامه إتضح أنه أصيب بفشل كلوي..صدر قرارا رئاسي بإبقائه بألمانيا مستشاراً إعلامياً بسفارة السودان هنالك ليواصل علاجه مما تعرض له وهو في مهمة رسمية ..بقي هناك قائما بمهامه متفانيا حتى بلغ سن التقاعد بين يدي مضاعفات ما حدث..ظل قلبه نابضا مقداما يمد جسور(الصلاة الطيبة)بين المانيا وذوي الإحتياجات الخاصة..هكذا مضي به العمر مباركا، يقاوم، يتبسم ويعمل صامدا.
قيل عنه الكثير داخل القاعة، لكنه يفاجىء القوم بما لم يخطر ببال!.. إنه يتواضع ليقول لمن يحتفون به وببصمته في الحياة ويكرمونه:(كنت أتمني أن أكون أنا من يكرمكم، وليس أنتم من يكرمني)!..ثم يسارع ويهدى التكريم إلي:(الشعب السوداني الوفي الكريم)..قال إن الشعب يعلمنا أن نعمل، لا أن نتحدث.. نعمل ونترك ما أنجزنا تكريما منا للآخرين.. وسأل الله أن يجعله صغيرا في عينه كبيرا في أعين الناس.. تقبلك الله وأحسن إليك يا(حسن).
بعد رحيله إرتفعت الأكف تدعو له بمآثره.. كتب عنه الباحث في الثقافة السودانية الأستاذ عبدالله حميدة فأفاض في(محاسن حسن)وإحسانه..رد إرادة الحياة فيه إلي(المنحة الربانية المطلقة، فما الموهبة إلا غيض من فيض، مبادرات، إبتكارات، قدرات في إدارة الحوار، روح مرحة في المنتديات ومجالس الأنس لمسها فيه أصدقاؤه وعارفو فضله).
إن جملة القول فيه إنه من الأوائل الذين وضعوا بصمة إعلامية مميزة، بكفاءة وتجرد وثقته بالنفس.. وهب نفسه للعمل بلا حدود، برغم الصعاب، فبقي في ذاكرة بلده، عنوانا لبصمة أداء مهني متميز، طابعه الكفاءة والسخاء والإخلاص.. عليه رحمة الله.
د.عبدالسلام محمد خير