الأعمدة

حول كتاب ( قبيلة البرتي – الماضي العريق والمستقبل المشرق ) القاهرة في : ٢٠ مايو ٢٠٢٦ كتب : بدر الدين العتَّاق

حول كتاب ( قبيلة البرتي – الماضي العريق والمستقبل المشرق )

كتب : بدر الدين العتَّاق

هذا الكتاب جيد ، إذ هو الأول في بابه ، والذي يؤصل لقبيلة البرتي في السودان ، فلاقى في نفسي هوى طيباً خالجني وانطباعاً مريحاً أبحث عنه في طياته، لأنني أبحث في التاريخ الإسلامي والسوداني كثيراً، وقلَّما وصلت لما وصل إليه الباحث الأخ إبراهيم حسين آدم، الشاب القادم بقوة في مجال البحث والتنقيب والكتابة والتأليف .

ولا أقول ذلك مغالياً لبضاعته أو مسوِّقاً لها بلا شك، فأنا أتابع كتاباته على الميديا بشكل دوري فاستقر في خَلَدِي أنَّه كاتب له ملكات قوية وروح عالية في باب التأليف وسيكون له دوره الطليعي مستقبلاً في إبراز الرأي الايجابي لتغيير الخارطة الذهنية للعقل الجمعي السوداني بكل تأكيد .

إنَّ التأصيل والبحث عن الدور القبلي والقبلية والاثنية في السودان لهو من الأهمية بمكان ، لا لأنَّه قبلي محض ولا جهوي بحت بل لأنَّه مُكَوِّن مجتمعي ذو أصول عريقة في تشكيل الأُمَّة السودانية منذ قديم الزمان ، وأنا لا اتحرج في وضع القبيلة أمام المنضدة بكل فخر سواء بالنقد البناء والتشريح المطابي أو الرأي الذي يطورها من حيث أرى ، فإنَّ وجود أي قبيلة في العالم دون تمييز أو احتراز لهي من سنن الله في الأرض والتي نشأت بها المجموعات البشرية بامتداد الزمان والمكان بتاريخها الضارب في القدم وإلى أن يشاء الله.

يشرفني أن أُقَدِّم لهذا الكتاب الذي بين يدي القارئ حين بادرني به صاحبه لأطَّلِعَ عليه ومن ثم أقدم له لقُرَّاء العربية فأنا له ممتن حين طوقني بذلك التشريف بكل رحابة وبكل سرور.

تطَّرق الكاتب لأمرين مهمين جداً في طي صفحاته ، الأول منهما هو : اشكالية اعتماد تدوين كتابة التاريخ شفاهياً بالنسبة للسودانيين وتاريخهم ، وله في ذلك وجه مقبول ومؤيَّد بلا ريب ، ، وهذا ما نعانيه نحن الذين نبحث في ذخائر الكتب الأمهات لاستخراج الفائدة ما أمكن امداً بعيداً في التحقيق حول المكون الهُوْيَّاتي والانتمائي للسودان من باب البحث عن هُوْيِّة جامعة لكل الاقليم الشاسع الذي نقطن فيه ، وهذا الإشكال لم يصطدم به الكاتب وحده بل أغلب الكُتَّاب والمفكرين المعاصرين اليوم ممن يبحثون عن أصول وجذور الهُوِيَّة القبلية أو الشعوبية لمجتمعه وبيئته ، وهو الذي أحدث شرخاً عميقاً في جَذْرِ الإشكال الانتمائي اليوم من تجريح وضياع للمسمى الهُويَّاتي السوداني نزاعاً بين العروبية والافريقانية .

لعلني أذكر في كل مَرَّة لا حين يغيب التاريخ الكتابي المعتمد الموثوق به عند البَحَثَةِ الاكاديميين فقط لكن حين يشتد أُوَارُ النزاع القبلي في دولة تتمتع بالتعددية القبلية لأكثر من خمسمائة قبيلة ومائة وخمسة عشر لهجة ذات لسان عربي وافريقي مزدوج ، في حينها حسماً للصراع الجدلي الدائر لا بين المثقَّفاتيَّة وحدهم بل في أضابير السياسيين منهم كذلك وأخص بالذكر النخب الطليعة التي تجتهد في تعميق الصراع من جهة للتفاضل الجهوي أو المناطقي أو خلافه من ناحية ، أو تحاول جاهدة في حل كينونته حينما تضع على طاولة الإفتاء المرجعي الأصولي للطرفين من ناحية ثانية .

إنَّ هُوُيِّة السودان هي هُوُيِّة عربية أفريقية ، فالعروبة ليست عنصراً بل هي لسان ، والافريقية ليست عنصراً أيضاً بل هي مكان ، فتلاقت في قلبه السودان الزمان والمكان واللسان ، واطرح أنا هنا بكل تواضع كلمة أراها جيدة ومقبولة لكل الأطراف المتنازعة لا على السلطة فحسب بل على حظو المكانة المجتمعية بقول الراحل الدكتور جون قرن حين قال : ( العروبة لا توحدنا ولا الافريقانية ولا الإسلام ولا المسيحية ولا القبلية لكن ما يوحدنا هو السودان ، فلتكن هويتنا السودان فقط ) راجع الميديا.

ليس من شك في افتتاحية ” السودانية ” أو السودانوية هي هويتنا وانتمائنا التي نلتزم ونعمل من أجلها لا التقسيم الشفاهي المتعصب لجهة ما أو لجذر قبلي ما ، فلماذا لا نكون سودانيين فقط Why not ؟ .

الأمر الثاني الذي بحث عنه كاتب الكتاب هو أصول قبيلة البرتي في السودان، في خضم البحث عن الجَذْرِ المُنْتَمَى إليها نهاية القبيلة ، فتارة يستعرض جَذْرَها النوبي العربي ، وتارة يستعرض جذرها الأفريقي دون العروبي ويميل إليه ميلاً مُحَاذِراً لكنه لم يحسم القضية في اتون عدم وجود مراجع كافية لتثبيت النسب أو الجَذْرِ القَبَلِي وهذه بطبيعة الحال ليست مشكلته هو وحده بل هي مشكلة الشعب السوداني بعَامَّة ودارسي التاريخ بشكل أخص عدم الاهتمام بالتدوين والمرجعية في تثبيت كتابة التاريخ له ويُشكر في هذا المقام اجتهادات الأستاذ الكبير الدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك ، أستاذ التاريخ بالجامعات القطرية والسودانية ، حين يكتب هو والبروفيسور عبد الله علي إبراهيم والبروفيسور يوسف فضل حسن والبروفيسور جعفر ميرغني وآخرين ، كثير من الدراسات الأنثروبولوجية للسودان، فهم على قلتهم لا يسعهم سعة السكان المتشعبة المتنوعة ذات الأصول المتشاركة مع الحزام الأفريقي من وسط وجنوب السودان حتى حدود المحيط الأطلسي من غرب أفريقية إلى نهاية رأس الرجاء الصالح أقصى جنوب القارة السمراء من جهة ، والتداخل القبلي المشترك مع العنصر العربي والنوبي من وسط حزام الوسط المحلي وحتى إلى ما بعد حدود ضالع ومجدل وبرديس بجنوب مصر وشمالي السودان من جهة أخرى ، أن يحيطوا بها علماً رغم اجتهادهم المقدَّر ، فهذا الامتداد المترامي الأطراف متعدد المصادر التاريخية رغم التطور الرقمي في البحث والتنقيب عن المعلومة إلَّا أنَّه شحيح إذا ما قورن بسعة التجذر بين الأصول العربية والزنجية الأفريقية في ذات الصلة .

إنَّ أهم ما يميز هذا الكتاب أمرين اثنين فيما أرى ، هما : اصراره على البحث والتدوين رغم الصعوبات التي ألتمسها بين طيَّات الكتاب ، مخالفاً لخلفه الشفاهي لحَمَلَةِ التاريخ من كِبار السن في أي مكان ما وبالتحديد حين يكون البحث عن إبرة البرتي التي تقوده للتثبيت لا التنظير في كومة قش من النسيان واللامبالاة في العقل الجمعي السوداني في ظل تعتيم المعلومة ومصدريتها أو غيابها وما إلى ذلك واصراره على الكتابة بعد لأي فهذا من الضرورة ذكره بمكان .

الأمر الثاني هو الوضوح والصراحة والأمانة في الرأي ونقل المعلومة ، وغالباً ما يركز على المعلومة المنقولة شفاهياً أكثر من المكتوبة لأسباب ذكرناها، ثم يقوم بتوظيفها وكتابتها مع ذكر تعليلاته في ذلك وهذا جيد ويحمد له بلا ريب إذ له مفاتح البحث كما ترى ويجب متابعتها للمدى الأبعد ليتسنى له ولمن يقرأ سِفره المواصلة فيما غاب عنه بطبيعة الحال .

إنَّ الأستاذ الشاب القادم بقوة وبخطى ثابتة في كتابة ( قبيلة البرتي – الماضي العريق والمستقبل المشرق ) ما غاب عن البعض في عصرنا الحالي ممن هو في حداثة أسنانه لهو بمثابة رمي حجر في بركة ساكنة اسمها البحث عن الهُوْيَّة الوطنية السودانية ذات التشعب الاثني والقبلي المعقد المضني وخلافه ، الذي قال الله عنه : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، إن الله عليم خبير } سورة الحجرات، فهذا الجهد يجب الإشادة به ودفعه نحو غاياته لفتحه بالنسبة للشباب خاصة بابا ذا سعة في اتون غَلَبَةِ السلاح الآلي على نُخَبِ حَمَلَةِ السلاح الفكري المضيعة في بلادنا والله المستعان .

أنا سعيد للغاية حين أُقَدِّم للمكتبة العالمية وقُرَّاءُ العربية والشعب السوداني وقبيلة البرتي بالأخص، أحد أبناء السودان البَرَرَة الذين يهمهم حاله ومآله ، وكتابه الجيد في بابه ، وسيجد قُرَّاءُ العربية واللسان الاعجمي المختلف ضالته حين يتمعنه بعين ثاقبة عن إحدى اصولنا لهويتنا الجامعة ، السودان أولاً ، السودان دائماً .

والله ولي التوفيق

مهندس مدني / بدر الدين العتَّاق

كاتب وناقد وباحث

القاهرة ، ٢٠ مايو ٢٠٢٦

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى