الأعمدةبريق أمل

حين تضيء وجوه الشهداء شوارع الخرطوم… امضوا آمنين، فقد عبدنا لكم الطريق)

بريق أمل

هنادي عوض بشير

في كل شارع من شوارع الخرطوم، وعلى امتداد الطرقات التي استعادت نبضها، تقف صور شهداء الكرامة شامخة، لا لتزين الجدران فحسب، بل لتزين ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه. وجوهٌ يعلوها السكون، لكنها تنطق بأبلغ الرسائل، ورسوماتٌ صامتة، لكنها تخاطب كل من يمر بها بلغة الوفاء والعزة.

ازدادت شوارع الخرطوم نورًا وهي تحتضن صور رجال بذلوا أرواحهم في سبيل وطنهم. فأصبحت المدينة وكأنها تروي للأجيال قصة تضحية لا تمحوها الأيام، وتجدد عهدها مع من كتبوا بدمائهم صفحات من تاريخ السودان.

وحين تقع العين على تلك الصور، يشعر المرء وكأنها تخاطبه قائلة: “امضوا في مناكب هذه الأرض آمنين… نحن عبدنا هذه الطرقات بتضحياتنا لتسيروا عليها بسلام، فابنوا وطنكم، واحفظوا وحدته، واجعلوا من السلام ثمرةً لتلك التضحيات.” إنها رسالة لا تدعو إلى التوقف عند الألم، بل إلى مواصلة المسير، والعمل، والبناء، وصناعة مستقبل يليق بمن ضحوا.

وليس المقصود من هذه الصور أن تستحضر الحزن وحده، وإنما أن تبعث في النفوس معاني الوفاء والمسؤولية. فهي تذكر كل عابر بأن الأوطان لا يحميها إلا أبناؤها، وأن التضحية في سبيلها تظل وسامًا خالدًا في ذاكرة الشعوب.

واليوم، والخرطوم تستعيد ملامحها شيئًا فشيئًا، تبدو صور الشهداء وكأنها مصابيح معلقة على دروب المدينة، تنير الطريق أمام العائدين، وتبعث فيهم الطمأنينة، وتؤكد أن الوطن، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على النهوض من جديد.

إن الأمم العظيمة تحفظ أسماء من قدموا لها أعظم العطاء، والخرطوم وهي ترفع صور شهدائها في ساحاتها وطرقاتها، تؤكد أن الوفاء ليس مناسبة عابرة، بل ثقافة راسخة، وأن الذين رحلوا بأجسادهم سيبقون حاضرين في الضمير الوطني، يلهمون الأحياء قيم البذل والإخلاص وحب الوطن.

ستبقى هذه الصور أكثر من لوحات معلقة؛ ستظل عهودًا مكتوبة على جدران المدينة، ورسائل أمل تقول لكل سوداني: احفظوا هذا الوطن، وازرعوا فيه السلام، فقد دفع رجالٌ أغلى ما يملكون لتبقى رايته مرفوعة، ولتمضوا أنتم في دروبه آمنين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى