الأخبار

دار الكرام .. وغزو اللئام

بابكر إسماعيل

٢١/ ١/ ٢٠٢٤

الشعوب الأصيلة كالذهب تزيده النار والشدائد نقاءاً ونضاراً وألقاً ..
والشعب السوداني على امتداد هذا الوطن العزيز في قراه ونجوعه وفيافيه شعب أصيل عظيم نبيل ..
وعظمة هذا الشعب تتجلّى كلما ابتعدت عن مركزه وعاصمته ..
حدثني أهلي الذين غادروا سنّار أم المدائن وتاج السودان وأصل نقائه ذات التاريخ التليد والمجد المؤثّل ..التي خرج أهلي منها وهم كارهون منهوكون موجوعون عقب وفاة والدتنا ..
تركوا خلفهم الدار الوريقة العامرة التي لم تغلق أبوابها أو تطفأ نيرانها .. أو هربت فئرانها منذ عقود فقد ظلت مناراً للتائهين ومأوى للأضياف وحتي الطير من أطراف تقيها شبع

مرّوا بالدندر ..وما أدراك ما الدندر القويسي ..
التي استقبل أهلها المسافرين على مشارفها وبذلوا لهم العصائر المثلجة والطعام .. استقبلوهم أضيافاً كراماً راعهم اللئام الذين أخرجوهم من دورهم أطفالاً وشيوخاً ومرضى عبر طرق ترابية وعرة يتلقاهم فيها الأهالي البسطاء كأني بهم يعتذرون إليهم عن عدوان مليشيا حرامية عربان الشتات الذين أهانوهم وأخرجوهم من ديارهم وسفكوا دماءهم واغتصبوا نساءهم ونهبوا ممتلكاتهم ..

خرج الأهالي الكرام البشوشون من كلّ القري والنجوع يقدمون القري والطعام والماء أعينهم تعتذر لهم من جور الزمان عليهم ومن لؤم اللئام المعتدين الجنجويد التافهين حثالة القبائل وروث البشرية ودنسها الذئاب اللئام .

وعندما أظلم الليل عند أم رخم ..
نصحوهم بالمبيت لأن الطريق محفوف بمخاطر من متفلتين بغاة ..
وأنزلوهم في مسيد فسيح يسكن في بعضه طلاب القرآن .. بذلوا لهم الأسرة والمطارف والحشايا .. وعشاءاً من الأرز باللبن والزلابية الساخنة .. فهجعت نفوسهم وقرّت قلوبهم واستدقئوا حتي أرسلت الشمس أشعتها ..
جدائل من ضياء .. على وجوههم المتعبة ..
ليواصلوا المسير بعد أن استدفئوا برشفات من شاي الحليب الصباحي

وهناك في قرية استعصى عليهم تذكر اسمها .. دروت أو نحوها .. وجدوا صيواناً منصوباً به طعام وماء وشاي وقهوة ..
طعموا منها وحمّلوهم زاداً للطريق ..

أسرعت الحافلة ومثار نقعها يطاردها فيدخل عليهم عبر النوافذ ويتلوى خلفها وهي تئن أنيناً وترجحنّ كأم مكلومة في فلذة كبدها تحفظها ملائكة النهار وهي تتهادي في تلك البوادي والفلوات الشاسعات التي يقطنها قوم من أكرم خلق الله ..

ووصلوا إلى قضارف الخير.. وما أدراك ما القضارف ميرة السودان وقدح الضيفان
وشأن آخر ..
فقد نزلوا مع أهل زميل لابن أختي ..
وآخرون عند صديق لأخي من آل عبد الرازق وآل محمد نصر الدين ورضوان من الله وفضل وقوم كرام .. أجوادون قصدتهم قوافل الخائفين فآووهم .. وبذلوا لهم السكن والفرش المبسوطة والجبين المطروح والبشر والترحاب ..

يفد الضيوف في دار آل عبد الرازق زمراً زمراً وصغارهم والكبار في خدمة الأضياف والطهي والخبز والسقاية والإكرام ..
مائدة تلو مائدة من أطايب الطعام الحنيذ..

رفاق الضيف أنّى حلّ هبّوا
لهم للضيف ضمٌ والتزام ..

جاء وفد مقدمة أسرتنا ثمانية عشر من النساء والأطفال والشباب والشيوخ ومعهم ضيوفهم أو الضيفنن وهو ضيف الضيف ..
أطعموهم كلهم وآووهم في دور فسيحة ..
دار للنساء وديوان للرجال به غرف مفروشة أنيقة تسرّ الأضياف والضيوفنن..
وجاء وفد المؤخرة من أهلنا ضعف الأولين عدداً .. وأهل الدار في مطابخهم يجهزون الطعام ويفرشون الفرش والدثور.. بأنس وترحاب ..
كما وصفهم واصف بأنهم من فرط احتفائهم بهم يكادون يحملونهم على كفوفهم ولا يدعونهم على الأرض يمشون ..
أختي سألت شاباً يافعاً عن مستراح فجاء لها بسيارة حملتها وبناتها عند مبنى جديد نظيف به غرف مبنية وسرر مفروشة وهي مستوصف جديد يملكونه فاستراحوا عليه وناموا وأُكرموا فيه وأناخت به كل الحافلة ..
فناموا واستراحوا ..
واغتسلوا ..

ووصلوا إلى عروس مدائن الشرق مدينة الثغر الباسم وذابوا في بورتسودان وسط أهلها الطيبين الذين احتضنوا أبناء الوطن اللائذين بهم .. من غير منٍّ ولا أذى ..
ويعجبون من سائقي الأجرة الذين لا يأخذون أجراً على المشاوير القصيرة كرماً وتفضّلاً ..
أظهرت لنا المحن أصالة هذا الشعب ومعدنه فهو عبر ألف كيلومتر قومه هم نفس القوم والحب هو الحب والبشر وشيم الكرام ..
وازددنا يقيناً أن حميدتي ومناصريه ليسوا أصلاء في هذه الديار بل هم شذّاذ آفاق أفّاقون ومجرمون ..وقذيً في عين هذا الشعب يحب أن يزول ..
أيعقل أن نكون أبناء وطن واحد ..
شربنا من نيله وأظلنا سماؤه وحملتنا أرضه وهملجت بنا بغاله وبراذينه ..؟
وبعضنا أفذاذ كرام مكرمون يهشّون للضيف ويحملون الكلّ ويغيثون الملهوف ..
وآخرون لئام شفشاشون لصوص مجرمون قتلة سفّاكو دماء ..لا يشبهون هذا الوطن ولا يشرف بهم ..
فهم حثالة لئام طغاة وبغاة ..
قاتلهم الله أنّى يؤفكون ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى