
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. أيها السادة.. هل غيّرتنا الحرب؟
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد..
أيها السادة..
هل غيّرتنا الحرب؟
إذا لم تغيّرنا هذه الحرب… فما الذي يمكن أن يغيّرنا؟
ثمّة أسئلة لا ينبغي أن نؤجلها إلى ما بعد الحرب.
بل لعلّ أخطر ما يمكن أن نفعله ونحن ننتظر نهايتها أن نتركها تمرّ من فوقنا، فتأخذ أبناءنا وبيوتنا وأموالنا وأيامنا، ثم تنصرف، ونبقى نحن كما كنّا.
السؤال الحقيقي ليس: متى تنتهي الحرب؟
السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا أكثر هو: ماذا سيبقى فينا بعد أن تنتهي؟
لقد كانت هذه الحرب أضخم من أن تكون مجرد معركة عسكرية. إنها زلزال هائل ضرب الدولة والمجتمع والاقتصاد والتعليم والصحة والأمن والثقافة، وعرّى أشياء كثيرة كنا نغطيها بالمسكنات، ونؤجل مواجهتها عاماً بعد عام.
رأينا المدن وهي تتغير، ورأينا الإنسان السوداني يُقتلع من بيته، ويترك متجره ومزرعته ووظيفته وذكرياته، ويبحث عن مكان آمن يأوي إليه.
رأينا هشاشة الدولة حين تضعف مؤسساتها، وهشاشة الاقتصاد حين تتوقف عجلة الإنتاج، وهشاشة المجتمع حين يصبح تأمين رغيف الخبز أو جرعة الدواء معركة يومية.
لكننا، وسط كل ذلك، رأينا شيئاً آخر.
رأينا السودانيين يتكافلون حين عجزت المؤسسات.
رأينا البيوت تفتح أبوابها للنازحين، والناس يقتسمون القليل الذي عندهم مع من لا يملك شيئاً.
رأينا شباباً يعملون في ظروف قاسية، وأطباء وممرضين ومعلمين ومتطوعين يواصلون أداء أدوارهم في ظروف يستحيل معها أحياناً أن يفعل الإنسان شيئاً سوى أن يهرب.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية:
هل سنتعلم؟
هل ستغيّرنا هذه الحرب؟
هل ستغيّر مفهومنا للدولة؟
هل ستغيّر علاقتنا بالمال العام؟
هل ستجعلنا نفهم أن الأمن ليس بندقية فقط، وأن بناء الدولة ليس تشييد مبنى حكومي ورفع علم فوقه؟
هل ستغيّر علاقتنا بالعمل والإنتاج؟
هل سنفهم أخيراً أن الاقتصاد الذي لا ينتج غذاءه ودواءه واحتياجاته الأساسية يظل اقتصاداً هشاً، مهما كثرت فيه الشعارات؟
هل ستغيّر الحرب مفهومنا للتعليم؟
هل سنعيد بناء مدرسة تُعلّم أبناءنا التفكير، والمهارة، والانضباط، والإنتاج، بدلاً من مدرسة تنتج آلاف الشهادات كل عام ثم تقذف بأصحابها إلى طوابير البطالة؟
وهل ستتغير علاقتنا بالمدينة؟
ذلك سؤال يبدو صغيراً، لكنه في الحقيقة من أكبر الأسئلة.
بعد كل هذا الخراب، هل سنعيد بناء مدننا بالطريقة نفسها؟
هل سنعود إلى السكن العشوائي؟
إلى الشوارع التي لا يعرف أحد من خططها ولا من سمح بها؟
إلى الأسواق التي تختلط فيها حركة البشر بالسيارات والبضائع والنفايات؟
إلى المجاري المسدودة؟
إلى الأوساخ التي تتراكم حتى تصبح جزءاً من المشهد العام؟
إلى الباعة الذين يعرضون الطعام على الأرصفة بجوار الغبار والعوادم ومياه الصرف؟
إلى ذلك المشهد العبثي الذي يمكن أن تجد فيه الأحذية مصفوفة بعناية وراء زجاج البترينة، بينما تُعرض الأطعمة المكشوفة على الرصيف، وكأننا قررنا أن نحمي الحذاء أكثر مما نحمي الإنسان؟
هذه ليست تفاصيل هامشية.
إنها ثقافة.
والمدن لا تنهار فقط عندما تُقصف مبانيها؛ تنهار أيضاً عندما يفقد أهلها الإحساس بالنظام والجمال والنظافة والمسؤولية العامة.
الحرب هدمت كثيراً من المباني.
لكنها منحتنا، في المقابل، فرصة نادرة لكي نسأل: هل كان ينبغي أن نبنيها أصلاً بالطريقة التي كانت عليها؟
قد تكون إعادة الإعمار أكبر فرصة تاريخية أمام السودان لإعادة اختراع نفسه.
لا أن نعيد الخرطوم كما كانت، بل أن نبني الخرطوم التي كان ينبغي أن تكون.
مدناً مخططة.
أسواقاً منظمة.
مواصلات حديثة.
مصارف للمياه والصرف الصحي.
مساحات خضراء.
أحياءً لائقة.
مدارس حقيقية.
مستشفيات قادرة.
مناطق صناعية.
نظاماً صارماً للنظافة.
وقانوناً يُطبق على الجميع.
الحرب فرصة قاسية للتصحيح، إن امتلكنا شجاعة الاعتراف بالأخطاء.
لكن أخشى شيئاً آخر.
أخشى أن تنتهي الحرب فنقيم الاحتفالات، ونرفع الأعلام، ونوزع البيانات، ونلتقط الصور، ثم نعود في اليوم التالي إلى حياتنا القديمة.
نعود إلى المحسوبية.
إلى الفوضى.
إلى إهدار المال العام.
إلى ضعف الإنتاج.
إلى فساد الأسواق.
إلى التعليم الذي لا ينتج معرفة.
إلى الوظائف التي لا تنتج عملاً.
إلى الطرق التي لا تصلح للسير.
إلى المدن التي لا تصلح للحياة.
ثم نقول بعد سنوات: ماذا حدث للسودان؟
والحقيقة أن السؤال ينبغي أن يكون:
ماذا فعلنا نحن بالسودان؟
لقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وليس تغيير النفس هنا شعاراً يُكتب على جدار.
التغيير الحقيقي يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي نصنع منها وطناً كبيراً.
أن يحترم الموظف وقت المواطن.
أن يؤدي الطبيب عمله بأمانة.
أن يدرس المعلم لأنه يحمل رسالة لا لأنه ينتظر نهاية الشهر.
أن يدفع التاجر حق الدولة.
أن يحافظ المواطن على الشارع كما يحافظ على فناء بيته.
أن يعرف المسؤول أن المال العام ليس مالاً سائبا.
أن تصبح الرشوة عيباً اجتماعياً قبل أن تكون جريمة قانونية.
أن يصبح إتقان العمل قيمة.
وأن يصبح احترام القانون عادة، لا خوفاً من الشرطي وإنما احتراماً لفكرة الدولة.
فالدول لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما بعادات الناس أيضاً.
ولذلك، فإن انتهاء الحرب عسكرياً لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها.
قد تنتهي أصوات الرصاص، لكن تبقى الأسئلة.
أي دولة نريد؟
أي اقتصاد؟
أي تعليم؟
أي مدينة؟
أي مجتمع؟
وأي إنسان سوداني نريد أن نخرج به من هذه المحنة؟
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً جداً.
والأسوأ من دفع الثمن أن ندفعه دون أن نتعلم.
أن يموت الناس، وتهدم البيوت، وتضيع السنوات، وينهار الاقتصاد، ويتشتت الملايين، ثم نعود إلى النقطة نفسها التي بدأنا منها؛ كأن الحرب كانت مجرد حادث عابر في تاريخ طويل.
لا.
لا ينبغي أن تكون الحرب مجرد فصل أسود في كتاب السودان.
ينبغي أن تكون الفصل الذي بدأنا بعده الكتاب من جديد.
ربما لا نستطيع إعادة الذين فقدناهم.
ولا نستطيع محو ما حدث.
ولا نستطيع استرداد السنوات التي ضاعت.
لكن نستطيع، على الأقل، أن نمنح كل هذا الألم معنى.
والمعنى الوحيد الذي يستحقه هذا الخراب هو أن يجعلنا أفضل مما كنا.
فإذا خرجنا من الحرب أكثر وعياً، وأكثر إنتاجاً، وأكثر انضباطاً، وأكثر احتراماً للإنسان والقانون والدولة، فقد تعلمنا.
أما إذا انتهت الحرب، ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه…
عاد السكن العشوائي.
وعادت فوضى الأسواق.
وعادت الأوساخ إلى المجاري.
وعادت الأطعمة إلى الأرصفة.
وعادت المحسوبية والفساد واللامبالاة.
وعاد التعليم إلى إنتاج الشهادات بلا معرفة.
وعاد الاقتصاد إلى استهلاك ما لا ينتج…
فعلينا يومها أن نسأل أنفسنا، بلا مواربة:
ماذا كان ينقصنا لكي نتغير؟
لقد أخذت الحرب منا كل شيء تقريباً.
فإذا لم تغيّرنا هذه الحرب… فما الذي يمكن أن يغيّرنا؟
.
نقطة سطرجديد