
د. حيدر البدري.. يكتب. في نقطة سطر جديد. .. خالد سلك.. متهم يتحدث بلسان القاضي.
د. حيدر البدري.. يكتب.
في نقطة سطر جديد.
..
خالد سلك.. متهم يتحدث بلسان القاضي.
..
و..
فيك الخصام وانت الخصم والحكمُ.
خالد سلك.. يوزّع كمتهم صكوك البراءة!. ويتحدث بلسان القاضي.
عجيب.
ما أسهل أن تجلس يا ( سلك) بعيداً عن دخان المعارك، وتكتب عن الدماء بمداد السياسة، ثم تنصّب نفسك قاضياً على الآخرين، توزّع الإدانات وتحتكر صكوك الوطنية، كأنما السودان لم يعرف الخراب إلا يوم تحرك البرهان، ولم يعرف السياسة إلا يوم قرر خالد سلك أن يشرح للسودانيين كيف تُدار الأوطان!
يقول خالد سلك ( الضارب سلك) : إن البرهان ما خُيّر بين خيارين إلا اختار أسوأهما. وهي عبارة تصلح، مع شيء من التدقيق، لأن تكون عنواناً لسيرة النخبة السياسية التي شارك بعضها في إدارة المرحلة الانتقالية، ثم انتهت إلى خلافات وصراعات وانقلابات متبادلة، قبل أن تكتشف، بعد خراب البصرة، أن المشكلة كلها في رجل واحد!
دعونا نساير الأستاذ خالد قليلاً، ونسأله عن الخيار الذي اختارته القوى المدنية حين وقفت البلاد على حافة الانفجار. أكان الخيار الأمثل هو توقيع اتفاق إطاري لا يحظى بإجماع وطني، في ظل خلاف جوهري حول دمج قوات الدعم السريع، وترتيبات القيادة والسيطرة، وإصلاح المؤسسة العسكرية؟ وهل كان من الحكمة أن يُترك مستقبل الجيش والدولة رهينة تفاهمات سياسية لم تنجح في إزالة أسباب النزاع، ولا في بناء الثقة بين أطرافه؟
إن الاتفاق الإطاري لم يكن عصا سحرية، ولم يكن مجرد وثيقة تكفي تلاوتها لإذابة التناقضات بين جيشين، لكل منهما قيادته ومصالحه ومصادر قوته. ومن يزعم أن توحيد القوات كان ممكناً بلا دماء، فعليه أن يشرح للسودانيين كيف كان سيُلزم قوة مسلحة ضخمة بالتخلي عن استقلال قرارها العسكري، ومن كان سيضمن تنفيذ ذلك، وبأي آليات؟ السياسة ليست نشرة أمنيات، والدولة لا تُبنى بحسن الظن وحده.
أما تحميل البرهان وحده مسؤولية الحرب، فذلك من جنس مطالبة الطبيب بتحمل مسؤولية المرض لأنه كان آخر من دخل الغرفة! الحرب اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة والدعم السريع، وسط أزمة سياسية وعسكرية عميقة.
والأطرف أن خالد سلك يتحدث عن السلام وكأن الحرب كانت مباراة شطرنج يرفض البرهان إنهاءها، مع أن إنهاء الحروب لا يتحقق بمجرد إطلاق التصريحات، بل بوقف القتال، وحماية المدنيين، وضمان تنفيذ الاتفاقات، ومنع استغلال الهدن لإعادة التموضع والتسليح. وأي حديث جاد عن السلام ينبغي أن يسمّي المسؤوليات بوضوح، ويضع التزامات قابلة للتحقق على جميع الأطراف، لا أن يجعل طرفاً شيطاناً مطلقاً وطرفاً آخر حمامة سلام.
ثم يأتي حديث العزلة الدولية، وهو فصل آخر من الانتقائية السياسية. فالسودان لم يدخل أزمته الراهنة بسبب شخص واحد، كما أن استعادة علاقاته الخارجية لا تُقاس بعدد الصور الدبلوماسية ولا بكثرة الابتسامات أمام الكاميرات، وإنما بقدرته على حماية سيادته، وصون مصالحه، واستعادة مؤسساته، وإنهاء الحرب. ومن حق الناس أن يسألوا: أين كانت الرؤية الوطنية الموحدة حين تنازعت القوى المدنية على السلطة، وتحوّل الانتقال إلى سلسلة من المساومات التي لم تنتج استقراراً ولا انتخابات؟
أما خاتمة المقال، «اختانا»، فهي أبلغ ما فيه من الناحية السياسية، وأفقره من ناحية تقديم الحلول. فهل يكفي أن يرحل البرهان حتى تتوقف الحرب تلقائياً؟ وهل ستختفي التشكيلات المسلحة، وتعود ملايين النازحين إلى ديارهم، وتُستعاد المصانع والمستشفيات والمدارس، بمجرد تبديل الاسم في رأس السلطة؟ أم أن المطلوب برنامج وطني واضح، وجيش واحد، وسلطة مدنية ذات شرعية انتخابية، ومحاسبة عادلة لكل من ارتكب جريمة، أياً كان موقعه؟ إنه نفس الهتاف الذي اضاع البلاد ( اختانا = تسقط بس). وهي مقاربة مفهومة منطقية.
إن مطالبة أي قائد بالتنحي حق سياسي مشروع، لكن تحويل التنحي إلى وصفة سحرية لإنقاذ السودان ليس برنامجاً للحكم، بل إعلان إفلاس في تقديم البدائل. والسودانيون الذين دفعوا أثمان الحرب من أرواح أبنائهم ومنازلهم وأرزاقهم لا يحتاجون إلى من يعلّمهم كراهية هذا أو ذاك؛ يحتاجون إلى من يضع أمامهم طريقاً واقعياً للخروج من الكارثة.
والسخرية هنا أن الرجل الذي يريد اختصار مأساة وطن في خيارات البرهان، يتصرف كأن التاريخ بدأ يوم تولى البرهان السلطة، وكأن القوى التي شاركت في إدارة الانتقال كانت ضيوف شرف لا صلة لهم بما انتهى إليه المشهد. يريدنا أن ننسى الخلافات، والتجاذبات، وتعثر الشراكة، والصراع على تعريف الدولة، وأن نصدّق أن كل شيء كان مثالياً لولا ذلك الرجل الذي ظهر فجأة فأفسد الحفل!
يا أستاذ خالد، السياسة ليست مسابقة في البلاغة، ولا يكفي أن تصوغ الاتهام بعبارة لامعة حتى يصبح حقيقة مكتملة. إن أردت محاسبة البرهان فحاسبه على قراراته، وإن أردت محاسبة الدعم السريع فحاسبه على أفعاله، وإن أردت محاسبة القوى المدنية فافتح سجلها كاملاً. أما أن تنتقي من التاريخ ما يخدم روايتك، وتحذف ما يحرج جماعتك، ثم تمنح نفسك موقع الحكم، فهذه ليست شجاعة سياسية؛ إنها محاولة لإعادة كتابة الوقائع بقلم طرفٍ في الخصومة.
السودان لا يحتاج إلى تبرئة البرهان، ولا إلى تقديس المدنيين، ولا إلى شيطنة خصومك. يحتاج إلى الحقيقة كاملة، والمحاسبة بلا استثناء، ودولة لا يبتلعها السلاح ولا يحتكرها السياسيون.
وأما «اختانا» التي جعلتها خاتمة مقالك، فليكن السؤال: هل اختارها السودانيون جميعاً بالفعل، أم اخترتها أنت نيابة عنهم؟ فالبلاد التي تتحدث باسمها أوسع من جمهورك، وأكبر من خصومتك، وأثقل من أن تُختزل في هتاف
واقول :.
البرهان فعلا مشكلة…
مشكلة وحجر عثرة للعملاء والخونة واصحاب العاهات وشذاذ الآفاق، مشكلة كبرى وسد منيع اما م نشطاء السياسة وعملاء الخارج.
مشكلة ضخمة امام طموحات الجنجويد والشفشافة وسارقي الثورات.
نقطة سطر جديد.