
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد. خلط الأوراق في ملف الخدمة المدنية: مقاربة نقدية لتوصيات الإحالة الجماعية
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.
خلط الأوراق في ملف الخدمة المدنية: مقاربة نقدية لتوصيات الإحالة الجماعية.
التقرير الذي استقر على طاولة مجلس الوزراء، والممتد على أحد عشر صفحة، يثير موجة من التساؤلات التي لا تقتصر على مضمونه الصادم، بل تتجاوزه إلى التناقضات البنيوية والثغرات المنهجية التي حفل بها. فبينما تسعى اللجنة – التي غيرت مسمىها من “تصفية” إلى “إصلاح الخدمة المدنية” – إلى تمرير رؤيتها بإحالة 60% من القوى العاملة في 17 كياناً اتحادياً وهيئياً، تظل الأسئلة المعلقة حول معايير الانتقاء ومعادلات التكلفة الفعلية أكبر من الإجابات الهشة الواردة في متن التقرير.
في توصيف يعكس عدم الاتساق الرقمي، تطرح اللجنة أرقاماً تثير الريبة قبل أن تثير الاهتمام. ففي الوقت الذي تعلن فيه استهداف 63 ألفاً و833 موظفاً من مجموع 106 آلاف و388، أي بنسبة الستين بالمئة، نجد أن حصيلة جمع الآليتين المقترحتين للتنفيذ – “المعاش الاختياري” و”إلغاء الوظيفة” – تفضي إلى إحالة أكثر من 87 ألف موظف، وهي نسبة تقترب من 85%، وهو ما يشي بوجود فجوة بين المعلن والموارب، ويجعل النسبة المعلنة مجرد غطاء إحصائي لا يعكس النوايا الحقيقية.
لم تقف المفارقات عند حدود الأرقام، بل امتدت إلى صياغة التقرير نفسه، حيث لجأت اللجنة إلى تغيير الترويسة ومحاولة تسويق الملف تحت عنوان “الإصلاح”، مع أن النص خلا تماماً من أي استراتيجيات للتأهيل أو التدريب أو حتى آليات الحفاظ على الكفاءات النادرة. وجاء التسبيب القانوني الطويل والمرفقات كطبقة من طلاء التجميل، في محاولة ظاهرة لتلافي الانتقادات التي أثيرت في مناقشات سابقة، لكنها لم تقدم جديداً في جوهر الفكرة.
استعرضت اللجنة في متن تقريرها نماذج دولية في تقليص الجهاز الإداري، لكننا نقول انه “الصالح العام” و”إزالة التمكين” في السياق المحلي، غير أن هذا الاستعراض يبقى في إطار التنظير المجرد، إذ تغفل اللجنة أن تلك التجارب قامت على معايير وإصلاحات هيكلية موازية، بينما ما تطرحه الآن يخلو من أي رؤية شاملة لتطوير المؤسسات، ما يجعل المقارنات غير ذات جدوى.
ارتكز التقرير في بنيته التحذيرية على ثلاث نقاط، هي في حقيقتها نقاط ارتكاز ضعف واضحة:
أولها: البعد السياسي الذي تكتنفه الريبة، خاصة مع استمرار حركة التعيينات والمعاينات الجارية دون توقف، ما يعني أن الهدف قد لا يكون الترشيد بقدر ما هو تمهيد الطريق لإحلال عناصر جديدة محل المخضرمين، خصوصاً مع غياب أي توصية بتجميد التوظيف. وقد حذرنا من ذلك في مقال سابق. فالريبة هنا موجودة خاصة اذا ارتبط الملف باتفاقية جوبا.. المليئة بالثغرات.
ثانيها: إقفال باب الاعتراض وجعل قرار اللجنة نهائياً، وهو تجاوز صارخ لأبسط حقوق العاملين، ويمثل قطيعة مع مبادئ العدالة الإدارية.
ثالثها: تجاهل التداعيات الكارثية على القطاعات الحيوية وهي مناطق حساسة تتطلب استقراراً تاماً. والإخلال بها يعني إرباكاً لعصب الدولة دون مبرر عملي.
ورغم ادعاء الترشيد، كشفت تقديرات اللجنة عن تكلفة مذهلة تبلغ 396.1 مليار جنيه لتسريح العاملين، تشمل مزايا استثنائية كمنح رواتب لمدد تصل إلى عام، ورصد عربات للدرجات الوظيفية العليا، وهي حزمة تعويضية تطرح إشكالية الجدوى الاقتصادية، وتضع النفقات المتوقعة في مواجهة مباشرة مع عوائد الادخار المزعومة.
واللافت في توصيات التنفيذ هو اقتراح إشراك اتحاد عمال السودان في لجنة الإقالة، وهو أشبه بإرغام الضحية على توقيع استدعاء محاكمتها، الأمر الذي يجرد القرار من أي نزاهة إجرائية. فلو كانت اللجنة قد آثرت الانفتاح على النقابات والخبراء واستعانت بدراسات الإصلاح الهيكلي المتاحة، لكانت تجنبت هذا المسار المتعثر،
ايها السادة..
هذه إحالة جماعية….ومجزرة.
لإحلال آخرين.
هل هنالك ثمة مؤامرة؟!.
نقطة سطر جديد.