
ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق سعد محمد عبدالله
ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
سعد محمد عبدالله
تحل ذكرى رحيل القائد الدكتور جون قرنق دي مبيور، أحد أبرز القادة السياسيين والثوريين الذين أسسوا الحركة الشعبية لتحرير السودان، بوصفها واحدة من أعظم وأقدم حركات التحرر الوطني في تاريخ السودان الحديث وقارة أفريقيا، وقد إرتبط إسمه بمشروع سياسي وفكري سعى إلى بناء دولة تقوم على قيم العدالة والمساواة والحرية والمواطنة بلا تمييز، وعرفته الساحة الوطنية قائدًا إستثنائيًا ومثقفًا صاحب رؤية، ناضل مع رفاقه الأبطال لسنوات طويلة من أجل إنصاف الكادحين والمهمشين، والدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية، وإقامة نظام ديمقراطي علماني يحترم التنوع الثقافي والإثني والديني، ويؤسس لوحدة طوعية قائمة على الإرادة الحرة، بعيدًا عن أنماط الإقصاء والهيمنة أو فرض الوصاية والإستبداد، التي طبعت تاريخ الدولة السودانية.
كان الدكتور جون قرنق شخصية سياسية فريدة في فكره وأسلوبه القيادي، جمع بين الحضور السياسي والكفاءة الفكرية والقدرة على إلهام الجماهير، وهو تصور راسخ في أذهان من عاصروه، ومن قرأوا سيرته، وإستمعوا إلى أقواله بقلوبهم وعقولهم؛ فقد آمن بأن السودان يمكن أن يكون وطنًا يتسع للجميع دون تمييز، وأن العدالة والديمقراطية هما الطريق الحقيقي لتحقيق الإستقرار والسلام الدائم؛ لذلك ظل مشروع “السودان الجديد”، الذي طرحه منذ عشرات السنين، يمثل رؤية تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي إلى مشروع لبناء مجتمع حديث يتساوى فيه المواطنون جميعًا في الحقوق والواجبات، وألا يكون اللون أو الدين سببًا للتفرقة والإضطهاد، وأن تكون الهوية السودانوية هي الحل لأزمة السودان، وأن يشارك الجميع في صناعة مستقبل وطنهم على أساس عقد الشراكة الدستورية والإحترام المتبادل.
رغم رحيل القائد الدكتور جون قرنق عن عالمنا، فإن إرثه الفكري والسياسي ما يزال حاضرًا في وجدان كثير من السودانيين والسودانيات الذين يحلمون بحياة جديدة لا يُقتل فيها أحد خارج إطار القانون؛ كما تظل رؤيته مصدر إلهام للأجيال الجديدة من المناضلين الساعين إلى بناء مستقبل أفضل يسود فيه حكم القانون، الذي يحتكم إليه جميع المواطنين بمختلف مشاربهم ومناطقهم دون فرز أو تمييز، وقد ترك تجربة ثورية غنية ترسخت قيمها في عقول الملايين، وإمتدت آثارها إلى الشمال والجنوب معًا، ويمكننا اليوم الإستفادة من تلك الرؤية في تعزيز العلاقات بين السودان وجنوب السودان، بوصفهما شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، حتى وإن أصبحا في دولتين مستقلتين؛ فالتحديات التي تواجه البلدين اليوم تستدعي إستلهام قيم الحوار والتعاون والتكامل التي دعا إليها، بما يخدم الأمن والإستقرار والتنمية في المنطقة.
تتزامن هذه الذكرى مع مؤشرات إيجابية لإعادة تنشيط العلاقات الثنائية بين السودان وجنوب السودان، وهي علاقات مهمة ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها بما يخدم مصالح الشعبين، وفي هذا السياق، تأتي زيارة وفد حكومة جنوب السودان إلى الخرطوم برئاسة توت قلواك، مستشار الأمن القومي، ولقاؤه برئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حيث نقل رسالة من الرئيس سلفا كير ميارديت تدعو إلى تبادل الزيارات وتعزيز الحوار الموضوعي بغية فتح آفاق جديدة للتعاون السياسي والإقتصادي، وتمثل هذه الخطوات فرصة مهمة ينبغي توجيهها نحو ترسيخ الثقة المتبادلة وإحياء الشراكة بين البلدين، بما ينسجم مع الرؤية التي نادى بها الدكتور جون قرنق، والقائمة على التعاون والسلام وبناء مستقبل أكثر إستقرارًا وآزدهارًا لشعبي السودان وجنوب السودان.