
رشان أوشي خلف القضبان… حين يتحول السجن إلى منصة للوفاء وكشف الأقنعة
بقلم: محمد عثمان الرضي
لم تكن زيارتي الأخيرة إلى سجن النساء بمدينة بورتسودان زيارة عابرة أو مجرد أداء لواجب إنساني تجاه زميلة مهنية، بل كانت تجربة إنسانية عميقة حملت في تفاصيلها الكثير من الدلالات والمعاني التي تستحق التأمل والتوقف عندها.
✦ أتردد هذه الأيام بصورة راتبة على سجن النساء بمدينة بورتسودان للاطمئنان على الزميلة الصحفية السودانية الأستاذة رشان توفيق أوشي، التي تقضي عقوبة السجن لمدة عام مع غرامة مالية قدرها عشرة ملايين جنيه على خلفية الدعوى القانونية التي رفعها ضدها نائب مدير شرطة الجوازات بسفارة السودان بالقاهرة السابق، المقدم شرطة معاش عبدالمنطلب محمد أحمد.
✦ ومنذ اللحظة الأولى لدخول السجن، يكتشف الزائر أن المكان لم يعد مجرد مؤسسة إصلاحية مغلقة، بل تحول إلى ملتقى اجتماعي وثقافي وسياسي تعج أروقته بالزوار والمتضامنين.
✦ شخصيات سياسية وقيادات مجتمعية ورموز ثقافية وإعلامية تتوافد بصورة مستمرة لمؤازرة رشان أوشي، في مشهد يعكس حجم حضورها وتأثيرها في المجتمع السوداني.
✦ اللافت للنظر أن السجينة نفسها تبدو أكثر تماسكا من كثيرين خارج الأسوار، إذ تستقبل زوارها بابتسامة ثابتة وروح معنوية عالية تبعث الطمأنينة في نفوس من جاءوا لمواساتها.
✦ كانت تجلس بين الحضور بثقة كبيرة وكأنها صاحبة المكان، لا أسيرة تنتظر انقضاء الأيام خلف القضبان.
✦ هذه الروح المقاتلة منحت الجميع درسا عمليا في الصبر والثبات والإيمان بالقضية التي تؤمن بها.
✦ سجن رشان أوشي لم يعد قضية شخصية تخصها وحدها، بل أصبح قضية رأي عام أثارت الكثير من الأسئلة حول واقع الحريات الصحفية وحدود النقد والنشر في السودان.
✦ ويرى كثيرون أن ما حدث يحمل رسالة واضحة للصحفيين مفادها أن الطريق نحو الحقيقة ليس دائما مفروشا بالورود.
✦ كما يحمل رسالة أخرى بأن الكلمة الحرة ما زالت تدفع ثمن مواقفها في كثير من الأحيان.
✦ ومع ذلك فإن القضية أثبتت أن أصحاب الأقلام الجريئة لا يواجهون المحن وحدهم عندما يجدون من يقدرون مواقفهم ويقفون إلى جانبهم.
✦ داخل السجن تتجلى معاني الوفاء بأبهى صورها، حيث تتساقط الأقنعة وتنكشف المعادن الحقيقية للناس.
✦ فالمحن وحدها هي القادرة على فرز العلاقات واختبار صدق المشاعر وعمق المواقف.
✦ هناك من حضر بنفسه، وهناك من اتصل، وهناك من ساند بصمت، وكلهم أدركوا أن الوقوف مع الإنسان في لحظة ضعفه واجب أخلاقي قبل أن يكون موقفا سياسيا أو اجتماعيا.
✦ وخلال إحدى الزيارات، أعلن ضابط السجن انتهاء الزمن المخصص للزيارة، فشعرت للحظات بثقل المشهد الإنساني الذي يجمع بين الأمل والألم.
✦ في تلك اللحظة قفزت إلى ذاكرتي أغنية الفنان الراحل عبدالرحمن عبدالله، ابن إقليم كردفان، وهو يردد رائعته الشهيرة: “يا ضابط السجن اسمح لي بنظرة وأرجع تاني أنسجن”.
✦ كان وقع الكلمات على النفس مختلفا تماما وأنا أودع رشان أوشي وأغادر المكان على أمل لقاء قريب يتجدد فيه الحديث وتستمر فيه الروح المعنوية العالية.
✦ ومن بين المواقف التي استوقفتني كثيرا موقف الأستاذ سامي الرشيد، رئيس المجلس الأعلى للحج والعمرة السابق.
✦ فعلى الرغم من أنه كان أحد أكثر المسؤولين الذين تعرضوا لانتقادات رشان أوشي خلال فترة توليه المنصب، إلا أنه ضرب مثلا رائعا في التسامح ونبل الأخلاق.
✦ فقد بادر بالاتصال بها فور علمه بخبر سجنها، معبرا عن تضامنه الكامل معها وحرصه على الاطمئنان على أحوالها.
✦ هذا الموقف الإنساني النبيل وجد تقديرا كبيرا من رشان نفسها التي أبدت احترامها لسلوكه الراقي وموقفه الأخلاقي الرفيع.
✦ الأستاذ سامي الرشيد أثبت أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة أو قطيعة إنسانية.
✦ كما أكد أن أصحاب النفوس الكبيرة قادرون على تجاوز المرارات والانتصار لقيم العفو والتسامح.
✦ ومن المواقف المضيئة كذلك موقف محافظ بنك السودان المركزي السابق الأستاذ برعي الصديق.
✦ فقد ظل يحملني تحاياه وتقديره واحترامه للزميلة رشان أوشي، مؤكدا حرصه على زيارتها فور وصوله إلى أرض الوطن.
✦ هذه المواقف الإنسانية الصادقة تعكس حجم المحبة التي تحظى بها رشان وسط قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
✦ أما المشهد الأكثر تأثيرا فتمثل في موقف الزميلة الصحفية الشجاعة الأستاذة هاجر سليمان.
✦ فقد رفضت العودة إلى أهلها في الخرطوم، وآثرت البقاء في مدينة بورتسودان بالقرب من زميلتها في محنتها.
✦ واتخذت مع نفسها عهدا بأن تظل مرابطة إلى جوار رشان حتى تنال حريتها وتغادر السجن مرفوعة الرأس.
✦ إنه نموذج نادر للأخوة الصادقة والوفاء الحقيقي الذي لا تصنعه المصالح ولا تحكمه الحسابات الضيقة.
✦ لقد أثبتت محنة رشان أوشي أن الشدائد ليست مجرد اختبارات قاسية، بل هي مرايا تكشف الوجوه الحقيقية للناس.
✦ وكشفت القضية من يحبها بإخلاص، ومن كان يرتدي قناع الود والصداقة حتى إذا جاءت ساعة الاختبار اختفى وتركها تواجه مصيرها وحدها.
✦ وستظل هذه التجربة شاهدا حيا على أن الصديق الحقيقي هو من يقف إلى جانبك عندما تضيق بك السبل وتشتد عليك الخطوب.
✦ ولعل أبرز ما يمكن الخروج به من هذه المحنة أن الإنسان قد يفقد حريته لبعض الوقت، لكنه لا يفقد مكانته في قلوب الناس ما دام متمسكا بمبادئه ومواقفه.
✦ أما رشان أوشي، فقد أثبتت وهي خلف القضبان أن الإرادة الحرة أقوى من الجدران، وأن السجن قد يقيد الجسد، لكنه يعجز تماما عن تقييد الفكرة أو كسر الروح.