الأعمدة

سجنٌ وأحرارٌ: وداعٌ واستقبالٌ حار وجزاء سنمّار عبدالحليم سرالختم 

سجنٌ وأحرارٌ: وداعٌ واستقبالٌ حار وجزاء سنمّار

عبدالحليم سرالختم

كثيرةٌ هي شجون الحديث وتداعيات الذكريات، كما ذكرتُ لكم في أول مقال من هذه السلسلة، وأحاول ما أمكنني أن تكون هذه المقالة هي الأخيرة عمّا اختزنتْه الذاكرة من تجربتنا في تغطية أحداث الكرمك وقيسان أواخر عام 1987 وأوائل عام 1988.

لخّصتُ لكم في ختام المقال السابق المشهدَ الذي وجدنا عليه مسجد قيسان الكبير حين دخلناه بنية صلاة ركعتين شكرًا لله، فوجدناه مربداً للأنعام.

بعد أن أنهينا جولتنا التوثيقية وودّعنا القادة العسكريين الذين حرّروا المدينة، وقفلنا راجعين إلى الدمازين، حيث دفعنا بكل حصيلتنا من الأخبار والتصريحات واللقاءات والمشاهدات إلى الإخوة في رئاسة الوزارة في ودمدني، وبدأنا نُهيّئ أنفسنا للعودة. غير أننا فوجئنا بأن مجموعة من رجال ونساء الدمازين، معظمهم من الشباب والموظفين، أطلقوا على تجمعهم «أصدقاء بعثة الإقليم الأوسط الإعلامية»، ينظمون لنا مساء ذلك اليوم حفل وداع من مقر إقامتنا في إحدى استراحات الزراعة الآلية.

كان احتفالًا جميلًا، وكان أجمل ما فيه بساطته وصدق المشاعر وحرارتها. وقد عبّر المتحدثون عن تقديرهم للإعلام ودوره، وعن شكرهم لما بذلته البعثة من جهد. وكنا قد تلمسنا هذه المشاعر من أفواه المواطنين كلما مرّت عربتنا بجماعة منهم، أو كلما ذهبنا إلى السوق لقضاء بعض الحوائج.

وأذكر أنه خلال حفل الوداع ذاك قدّمت لنا موظفتان في رئاسة المحافظة هديةً عبارة عن مجموعة مناديل من ماركة «سيد خليفة»، بيضاء ومشغولة بالقطيفة، لكنها كانت خالية من القلب النحيل والسهم الذي يخترقه، حيث استبدلتا به باقة من الزهور.

في صباح اليوم التالي الباكر طفنا على قيادة اللواء الرابع عشر، وودّعناهم شاكرين تعاونهم، وودّعونا شاكرين تعاوننا. وكذلك فعلنا مع القادة التنفيذيين برئاسة المحافظة. ثم توجهنا بعد ذلك لحضور الاحتفال الصباحي الذي نظّمه نازحو قيسان في مقرهم بالروصيرص، احتفالًا بتحرير مدينتهم الحبيبة الجميلة.

لم تكن هي المرة الأولى التي نزور فيها الروصيرص خلال نشاطنا ذاك؛ إذ كنا في بداية أيامنا، وفي إطار جهدنا التعبوي للجماهير وطمأنتها ورفع معنوياتها، قد نظّمنا بالتعاون مع مركز شباب الروصيرص حفلاً ثقافيًا سياسيًا غنائيًا حماسيًا، سجّلناه في شكل سهرة للإذاعة والتلفزيون، حضرها، بجانب أعيان وجماهير الروصيرص، حاكم الإقليم الأوسط في ذلك التاريخ المرحوم فاروق إسماعيل سعيد، وعدد من رجالات الإدارة الأهلية بالنيل الأزرق وقدامى المحاربين، تحدثوا فيه عن بطولات الجيش السوداني في الحرب العالمية الثانية على الحدود الإثيوبية، وتحديدًا في منطقة كرن التي خلّدتها عشّة الفلاتية في أغنيتها: «يجو عايدين، الفتحوا كرن باينين».

ولقد كان لهذه السهرة مفعول السحر في أوساط المواطنين والجنود.

أجل، لم تكن تلك زيارتنا الأولى للروصيرص؛ فبجانب هذا الحفل الساهر كنا نتابع أحوال واحتياجات وظروف نازحي قيسان باستمرار، وقد حطّ بهم الرحال في فناء سجن الروصيرص القومي. ويا له من سجن ترددنا عليه أكثر من مرة؛ لا نزلاءً ولا محتجزين عليهم، ولا منتظرين للمحاكمة، ولا معتقلين سياسيين؛ دخلناه إعلاميين يطاردون الأحداث رصدًا وتوثيقًا.

تحت ظلال الأشجار الوارفة، تَحلّق نازحو قيسان في حشد كبير احتفالًا، كما ذكرت، بتحرير مدينتهم. وكان على رأس المحتفلين المرحوم الشريف زين العابدين الهندي، السياسي الاتحادي المحنّك والبرلماني الفصيح والخطيب المفلق والشاعر الذي يجري ولا يُجرى معه، ومعه كوكبة من رموز الحزب في النيل الأزرق،أذكر منهم القطب يوسف السيمت، رجل الأعمال المعروف من أبناء رفاعة، وهو والد الأستاذ صلاح، وزير شؤون الإقليم في أول حكومة للإقليم الأوسط، وكمال، المدير الإداري لمشروع النيل الأزرق الصحي، والأستاذة آمال، المثقفة والمعلمة في مدرسة الدمازين الثانوية، والأستاذ أزهري، أستاذ الفنون التشكيلية بالمدارس الثانوية.

وكان من بين الحضور الزعيم محمد عثمان كروم، وهو اسم معروف بالروصيرص والدمازين، من كبار التجار ورجال الأعمال، وفوق ذلك سياسي ضليع، وفوق كل ذلك كان إنسانًا كريمًا سخيًا لاأعد الحدود؛ يستقبلك كرمه في كلماته ونبراته المميزة اللثقاء، ولا تعود منه إلا وفي معيّتك صفيحة زيت سمسم أو جركانة عسل نحل أصيل. رحمهم الله جميعًا.

كان حفلاً جميلًا في فناء سجن جميل، إن كان سجنٌ يوصف بالجمال، ولفت نظري أن المرحوم الشريف زين العابدين الهندي كان ممسكًا بورقة وقلم، يسطّر شيئًا ما. فقادني فضول الإعلامي أن أدنو منه لأتلصص على ما يكتب، وكانت المفاجأة أنه كان يتأمل ويكتب شعرًا في العِجل الجميل الذي ينتظر مِدية القصاب وأفواه المحتفلين، حاولت استنساخها منه، ولكنه اعتذر بأدبه الجمّ، متعللًا بأن الأبيات لم تكتمل بعد.

بعد انقضاء احتفال مواطني قيسان بتحرير مدينتهم، توجهنا إلى عربتنا متوجهين إلى ودمدني، بعد مأمورية قُدّر لها سبعة أيام، ولكنها امتدت لسبعة أسابيع تقريبًا. وفي طريق العودة توقفنا عند قرية قندال لتقديم واجب العزاء للزميل الطيب قسم السيد وأسرة الفقيد الذي ورد ذكره سابقًا. وفي قندال انضم إلينا الطيب، وانطلقنا جميعًا إلى ودمدني.

وكانت المفاجأة السارة أن مجموعة من الزملاء والزميلات الإعلاميين استقبلونا خارج المدينة، يتقدمهم مديرا الإذاعة والتلفزيون المرحومان صلاح طه ومحمد أحمد شعبان. وكان مشهدًا أسال دمعات من عينيّ، وأحسب أن أعين البقية لم تسلم من هذه الدموع.

وعند وصولنا رئاسة الوزارة كان المشهد أكبر وأعظم، وكانت الدموع أغزر.

في صباح اليوم التالي عكفتُ على إعداد تقرير كامل، قام بطباعته على الآلة الكاتبة الزميل عمر الشيخ البدوي السماني، ودفعتُ به بصورة ثلاثية إلى مدير عام الثقافة والإعلام الأستاذ عبد الله الحسن، الذي أثنى على التقرير وأثنى على البعثة ومجهودها. ثم صمت قليلًا، وفتح درج مكتبه، ودفع إليّ بخطاب من وزير الإعلام الاتحادي المرحوم التوم أحمد التوم، يوجه فيه باستجوابي أو استيضاحي عن مخالفتي لتوجيهات الحكومة والوزارة بعدم تغطية أخبار وتحركات حزب المعارضة، الجبهة الإسلامية.

لا أجد من الكلمات ما أعبر به عن شعوري في تلك اللحظة، ولكني تذكرت حكاية جزاء سنمار المشهورة. وبالفعل قمتُ بالرد على الاستيضاح، وما زلتُ أنتظر العقوبة إلى أن تبدّل الحال، وأصبح حزب المعارضة حليفًا لحزب الأمة في الحكومة، وأصبح الحزب الاتحادي حزب وزير الإعلام في المعارضة.

أشكر لكل من تابع هذه السلسلة من الذكريات، وأكرر شكري لأعضاء البعثة: الطيب قسم، وعبد الكريم عوض ، وزروق، وعلي حسن يونس، وأحمد السنوسي، وصالح بسمة، وأزهري حسين. وأخص بالذكر والشكر الخاص جدًا السائق الطيب إبراهيم، الذي كانت مأموريته معنا لساعتين فقط ليصل بنا إلى سنار التقاطع ويعود، ولكن الظروف التي حكيتها اضطرته للتضحية والبقاء معنا لأكثر من شهر ونصف، شاركني خلالها في حقيبة ملابسي.

دعواتي له بالصحة والعافية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى