مقالات

شائعات السلاح الكيميائي: حرب نفسية لإفراغ الخرطوم من معناها

 

كتب: أمية يوسف حسن أبوفداية

مع بداية تحرّير الخرطوم في يناير 2025، انطلقت موجة واسعة من الإشاعات المنظمة التي روّجت لها قوات الدعم السريع وظهيرها المدني من أفراد ومجموعات، تزعم أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في إطار استعادتها السيطرة على العاصمة. واستندت هذه المزاعم إلى تقارير صحفية غربية جرى توظيفها خارج سياقها، في محاولة لإضفاء شرعية إعلامية على ادعاءات تفتقر إلى أدلة ميدانية موثوقة.

لم تكن هذه الإشاعات معزولة عن سياق الحرب، بل جاءت كجزء من حرب نفسية متكاملة الأركان، هدفها الأساسي ضرب الثقة في العاصمة بوصفها مركزًا سياسيًا ورمزًا سياديًا، ودفع السكان إلى الإحجام عن العودة إليها، تمهيدًا لإفراغها من بعدها الوطني والسكاني. وسرعان ما تطورت هذه السردية إلى القول إن الخرطوم “غير صالحة للعيش”، ليس فقط بسبب الدمار، بل بزعم التلوث الكيميائي طويل الأمد.

وزاد من زخم هذه الحملة تزامنها مع انتشار وبائي الكوليرا وحمى الضنك، حيث جرى ربط التفشي الوبائي مباشرة باستخدام مزعوم للأسلحة المحرمة دوليًا، متجاهلين أن انهيار البنية التحتية الصحية والمائية، وتعطل شبكات الصرف، وتراكم النفايات، هي أسباب معروفة تاريخيًا لانتشار مثل هذه الأوبئة في مناطق النزاع.

استمرت هذه الدعاوى لأشهر، قبل أن تبدأ في التراجع مع إعلان الحكومة السودانية السيطرة على الوضع الوبائي في العاصمة، وعودة تدريجية للخدمات الصحية، وتأكيدات رسمية ودولية بعدم ثبوت أي استخدام لأسلحة كيميائية. إلا أن الخطير في الأمر أن نمط الإشاعة لم يتوقف، بل جرى استبداله بسيناريوهات جديدة، تارة بالتحذير من “تلوث كيميائي كامن”، وتارة أخرى بالحديث عن مخاطر الطيران المسيّر.

إن استمرار الترويج لفكرة “العاصمة غير الآمنة” يكشف أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة وعي وسردية، تستهدف مستقبل الخرطوم ودورها، أكثر مما تستهدف واقعها الآني.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى