الأعمدة

شرح نظرية الانهيار العظيم (كيف تتداعى الدول من الفشل الاقتصادي) د. محمد عبد القادر سبيل

شرح نظرية الانهيار العظيم

(كيف تتداعى الدول من الفشل الاقتصادي)

 

د. محمد عبد القادر سبيل

 

قال دريد بن الصمة:

أَمَرتُهم أَمري بِمُنْعَرجِ اللِّوى ..فَلَم

يَستبينوا النصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

 

لقد أحدثت أجراسي التي قرعتها الاسبوع المنصرم عبر مقالة ميسمها ( خذوا حذركم.. ستنهار الدولة فجأة) لإيقاظ الحكومة من سباتها الدوغمائي لأجل مواجهة المعضلة الاقتصادية المتفاقمة انتباهات و ردود فعل واسعة، يهمنا منها الآن هنا إلحاح الكثيرين في طلب شرح مفصل لفكرة انهيار الدولة من جراء خروج الأزمة الإقتصادية عن السيطرة.

وفيما يلي سأقوم بشرح مفصل لجوانب تلك النظرية التي اطلقت عليها ( الإنهيار العظيم) ومدى قابلية انطباقها على الواقع الراهن والمتوقع في بلادنا. واكرر في البدء ما قلته في مستهل تلك المقالة: ( الله يكضب الشينة).

 

بيئة الترعرع:

حينما تمتاز قيادة أية دولة بالتعالي وعدم الاعتراف بالخطر وضعف الحس الاقتصادي العام والانشغال بإدارة الطوارئ أو التفاصيل الروتينية، بينما تتآكل قيمة العملة الوطنية يومياً وتشح الايرادات العامة من العملات الاجنبية والمحلية وتتزايد الأسعار بصورة مطردة ويسود اقتصاد الظل، إذ تمتلك الرأسمالية الطفيلية وحدها جل العملة الاجنبية في البلاد وتخلو منها خزينة الدولة، فيتقدم السوق الاسود بجبروته ليقود حركة النشاط الاقتصادي نحو التهلكة والدولة غافلة أو متغافلة.. حينذاك تكون عناصر (نظرية الإنهيار العظيم) قد اكتملت، وبدأت تمسك بتلابيب البلاد وتتدحرج بها ببطء وحزم نحو الهاوية.

البطء المترافق مع الحزم والاستمرار يعتبر شرطا أساسياً لانضاج عملية التداعي المتلاحق، لأن السرعة الشديدة في التداعي تنبه الغافلين من المسؤولين فيتداركوا الامر ويمنعوا أو يؤجلوا لحظة السقوط الكامل في الهاوية. فالمسؤولون في مثل هذه الدول الحائرة حين تظهر نذر التضعضع والخطر فإنهم يكونون دائماً ممن يتدخلون فقط لإطفاء الحريق بعد اندلاعه، ولا شأن لهم بما قبل ذلك.

 

تعريفات ومعايير:

لحظة السقوط أو الانهيار الكامل للدولة total collapse فهي تلك اللحظة التي تتجاوز (نقطة الشفير critical edge) وهي حافة القدرة على توفير الفرد وجبة واحدة فقط في اليوم لنفسه ولمن هم نحن رعايته، دون الاعتبار للخدمات والحاجات الاخرى. فقط وجبة واحدة وفي أدنى مستوى.

 

حافة الشفير برأينا تساوي في السودان قيمة طبق شديد التواضع يتألف من ثلاث قطع خبز زنة ٦٠٠ جرام _ وهو الوزن السائد حاليا_ في صورة فتة مع أي مرقة ( عدس، موية فول، او بليلة الخ) .

هذا الطبق الشعبي يعد الحد الأدنى الذي يسد الرمق ويحول دون الموت بإذن الله تعالى، وليس دونه شيء يؤكل. فإذا تعذر الحصول عليه فتلك هي لحظة التداعي المتسارع ثم السقوط الكامل والمفاجئ للعالم، وليس للمجتمع ذاته.

من جانبنا نتوقع ان يحدث ذلك في السودان حينما تصبح قيمة الوجبة الادنى مستوى اطلاقا ٥٠٠٠ جنيه (حيث تساوي قيمة الخبزة/ العيشة 1000 جنيه بوزن ٦٠٠ جرام للقطعة ولا تكفي الشخص الا ثلاثا منها على الاقل، زائداً تكلفة المرق.

وعموما فحينما تصبح قيمة الوجبة الافقر هي ٥٠٠٠ جنيه ( اقل من نصف دولار حينئذ) مع ثبات مستوى الدخل الحالي، لحظتها نكون قد بلغنا نقطة الشفير critical edge الذي يشرف مباشرة على الهاوية وسقوط الدولة تبعاً لذلك لأن هذا المعطى يعني أن الاسرة الفقيرة المكونة من خمسة افراد ستحتاج الى توفير ٢٥ ألف في اليوم للحصول على وجبة واحدة فقط تجمعهم، وهذا ما لا يستطيع المواطن توفيره لأن متوسط راتب الموظف والمعلم اليوم في حدود ١٠٠ الف جنيه بمعدل ٣٣٣٣ جنيه في اليوم والعامل أقل من ذلك.

 

السيناريو القاتم:

اذا افترضنا أن الموظف يحصل على ١٥٠ ألف جنيه في الشهر فإنه مع ذلك لن يستطيع ان يجد ما ينتقل به الى موقع عمله، هو وأطفاله الذين في المدارس، ولا ما يوفر قطعة الصابون للنظافة، ولن نتحدث عن العلاج ولا شراء الملابس وفاتورة الكهرباء وشرب الشاي لأن من يصارع ليتناول في اليوم وجبة واحدة بائسة فلن يطمح فيما غير ذلك من رفاهية.

فإذا تعذرت هذه الوجبة المنقذة للحياة فلن يبقى شيء يجمع الأسرة أو يحفظ لحمة نسيج المجتمع، وليس امام الناس سوى الخروج الجماعي يسيحون في الأرض ليأكل الجميع من خشاشها وتلك هي نقطة التبدد الشامل والسريع. بمعنى ان المجتمع سيصبح شعباً كاملاً من المشردين بكل اخلاق وصورة وسلوك المشردين الذين نراهم على سبيل الاستثناء سابقا. هذا هو المآل الذي ينتظرنا جميعاً في لحظة الانهيار الكامل.

 

تلاشي الانتاج:

حينما تتعملق الأسعار ويفتقر جميع أفراد المجتمع ويبلغ العوز حد الانهيار ويهيم معظم الناس على وجوههم بلا هدف سوى اللقمة مهما تكن، فسوف لن يذهب أحد الى مقر عمله، الا من يحصلون على رواتب كبرى ولهم سيارات حكومية واولئك قلة لن تتماسك طويلا.

المزارعون والحرفيون سترتفع عليهم تكاليف الانتاج وشح الطلب بحيث لا يجدي النشاط شيئا. وأما اصحاب البقالات والمحلات والمطاعم وحتى الطبالي وستات الشاي فلن يجدوا امامهم سوى متسولين لا يملكون ما يشترون به، فتبور حينئذ السلع وتتعرض للاعتداء والنهب المتزايد من جانب الجياع فتغلق الاسواق والدكاكين الكاسدة وتمتلئ السجون التي تتحول الى مأوى آمن ومفضل لأنه يقدم وجبات تختفي شيئا فشيئاً مع تفاقم الانهيار.

إن مرحلة انهيار المجتمع لايسلم من براثنها اصحاب الثروات سواء اكانت ثروة حيوانية او زراعية او تجارية، لأن المجتمع الجائع سيزحف رويدا رويدا مثل السيول الجارفة نحو اماكن الغذاء والأمان ليلتهم كل شيء.

 

كيف تسقط الدولة ؟

دواوين الحكومة التي كانت تتحصل الضرائب والجمارك والرسوم لتنفقها على تسيير دولابها ستغلق أبوابها وخزائنها الخالية لأنه لا احد يملك ما يدفعه للضرائب والرسوم وهكذا تتوقف المرتبات الضئيلة ذاتها وتنعدم خدمات الشرطة والقضاء والمستشفيات وتتحول الدولة الى فاشلة بامتياز فلا تبقى الا المساعدات الاجنبية وطوابيرها الطويلة.

ولكن ما سيفاجئنا ضمن سرد هذه النظرية ( الإنهيار العظيم The great collapse) أنه لن تكون هنالك ثورة جياع كما يحلم بعض النشطاء السياسيين، الحكومة لن تسقط ولكنها سيتصبح (كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهرا ابقى)، الدولة هي التي ستسقط برمتها، بمعنى أن الثورة تعد حينئذ ترفاً وانشغالاً بما لا يسد الرمق ثم لا توجد عافية بدنية وقوة اصوات لترتفع الحناجر وتلوح السواعد ومن الذي هناك اصلا لتتم مطالبته بماذا؟. الموتى فقط بتكاثرون والسعيد من يجد دافنين.

والله لطيف بعباده،،

 

ملحوظة:

المنجاة الوحيدة من هذا التداعي العظيم تتمثل في هيمنة حكومة تظهر في أو قبل مرحلة الشفير الحرج، على ان تتوفر على ثلاث صفات لا مندوحة عنها وهي: النزاهة والكفاءة والإرادة السياسية الماضية، فتسيطر بالكامل على العملة الاجنبية وأهم مصادر الإيرادات.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير اداري ومحلل اقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى