الأخبار

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر  التعليم الفني: من التهميش إلى قيادة النهضة.. 2026 عام العودة للمسار الصحيح

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

التعليم الفني: من التهميش إلى قيادة النهضة.. 2026 عام العودة للمسار الصحيح

منذ أن تخرجنا في ثمانينيات القرن الماضي كمهندسين فنيين في تخصص “هندسة السيارات” من أعرق الكليات التكنولوجية بمصر، ظل هاجس “التعليم الفني” يسكننا، لا كخيار تعليمي بديل، بل كقاطرة وحيدة وقادرة على انتشال اقتصادياتنا من وهدة الاستهلاك إلى فضاءات الإنتاج. اليوم، ونحن نطالع مخرجات الحراك الرسمي الأخير، نجد أن الدولة بدأت تستعيد وعيها بأهمية هذا القطاع، عبر إعلان العام 2026 عاماً للتعليم الفني في السودان.

إن انتمائي لهذا القطاع منذ عقود يجعلني أدرك بعمق الفرق بين التعليم الأكاديمي النظري والتعليم التكنولوجي الذي يمنح الطالب “مفاتيح الحلول” بيديه قبل عقله. لقد تشربنا في الكليات التكنولوجية المصرية فلسفة الربط بين النظرية والتطبيق، وهو ما نفتقده اليوم بشدة في واقعنا السوداني. إن إعلان عام 2026 عاماً للتعليم الفني ليس مجرد شعار سياسي، بل هو ضرورة حتمية تفرضها التحديات الراهنة، وخطوة ذكية في اتجاه الاستفادة من “الذكاء اليدوي” والخبرة الفنية لبناء ما دمرته الأزمات.

إن ما يثلج الصدر هو التحرك الجاد نحو تعزيز الشراكة مع منظمات دولية كبرى كمنظمة “اليونسكو”. هذا التعاون يجب أن يتجاوز حدود “توفير الأجهزة” (رغم أهميتها كأدوات تعلم رقمية) ليصل إلى جوهر العملية التعليمية: تطوير المناهج.

إن الخطة الانتقالية للتعليم (2025–2027) التي تشرف عليها المنظمات الدولية يجب أن تركز على بناء القدرات للكوادر التعليمية، المعلم الفني هو حجر الزاوية، وتدريبه على “التعليم في حالات الطوارئ” والتعليم الإلكتروني هو ما يضمن استمرارية المعرفة في ظل الظروف الصعبة، وتحديث المناهج لتواكب سوق العمل، فلا يمكننا تدريس تكنولوجيا الثمانينيات في عصر الذكاء الاصطناعي والمحركات الهجينة.

من النقاط المضيئة في الحراك الأخير هو التنسيق “البين-وزاري”. فعندما تجتمع وزارة الري والموارد المائية مع خبراء التعليم لتطوير مناهج فنية متخصصة في “إنتاج المياه” و”البيوت المحمية”، فنحن نتحدث هنا عن ريادة حقيقية.

هذا هو التعليم الفني الذي ننشده؛ التعليم الذي يخدم الأمن الغذائي، ويدير مواردنا المائية بمهنية عالية، ويعيد تأهيل مراكز التدريب لتصبح منصات تخرج “كوادراً وطنية” قادرة على مواجهة التحديات التطبيقية الحديثة. إن ربط التعليم الفني بقطاعات حيوية كالري والزراعة يعني تحويل الخريج من باحث عن وظيفة إلى “رائد أعمال” وصاحب حلول تقنية.

إن نجاح الدولة في إكمال امتحانات الشهادة الثانوية رغم الأزمات هو دليل على “مرونة النظام التعليمي”، ولكن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا بوجود قاعدة عريضة من الفنيين والمقاولين والمهنيين التقنيين.

لإنجاح عام 2026 كعام للتعليم الفني، نقترح إعادة الاعتبار للهوية المهنية، يجب تغيير الصورة الذهنية للتعليم الفني في المجتمع السوداني، ليكون مساراً للمبدعين والمتميزين كما كان في السابق، الى جانب التوسع في التدريب التحويلي واستغلال مراكز التدريب المهني القائمة لإعادة تأهيل الشباب في مهن حديثة تلبي احتياجات إعادة الإعمار، مع الربط بين مخرجات التعليم الفني والصناديق التمويلية الذكية لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة للخريجين.

إننا كجيل عاصر العصر الذهبي للتعليم التكنولوجي، نرى في هذه التحركات بصيص أمل كبير. التعليم الفني ليس مجرد “ورشة” و”مفك”، بل هو “عقيدة إنتاج” وبوابة للاكتفاء الذاتي. إن دعم اليونسكو والشراكات الوزارية هي خطوات في الاتجاه الصحيح، شريطة أن تخلص النوايا وتستمر الجهود لتصحيح المسار، ليكون 2026 فعلياً هو العام الذي يضع فيه السودان أولى لبنات نهضته الصناعية والزراعية بأيدي أبنائه الفنيين.

 

28 أبريل 2026

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى