
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com سيادة الدول ليست للمساومة: لماذا يخطئ المجتمع الدولي في المعادلة السودانية؟
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
سيادة الدول ليست للمساومة: لماذا يخطئ المجتمع الدولي في المعادلة السودانية؟
تتداخل الأزمات السياسية والإنسانية في المشهد الإقليمي والدولي لتضع المجتمع الدولي أمام اختبارات أخلاقية وقانونية حاسمة، غير أن المقاربات الجارية في التعامل مع الصراع المسلح في السودان تكشف عن اختلال عميق في مفاهيم السيادة الوطنية وأسس القانون الدولي. إن الطروحات الأخيرة التي تُطالب بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية لا تمثل مجرد إجراء ينشد حماية المدنيين، بل تعكس خلطاً مفاهيمياً خطيراً يهدد الكيان المؤسسي للدولة السودانية، عبر وضع المؤسسة العسكرية الوطنية في كفة واحدة مع المليشيات المتمردة.
تتأسس أزمة المقاربة الدولية الحالية على الاندفاع نحو فرض عقوبات شمولية وتدابير حظر عشوائية تتجاهل الطبيعة القانونية والسياسية للجهات المتقاتلة. فالقوات المسلحة السودانية ليست طرفاً نداً لمليشيا خرجت عن القانون، بل هي المؤسسة السيادية الرسمية الموكل إليها دستورياً ودولياً حماية الأراضي الوطنية والدفاع عن المواطنين ومواجهة تهديدات التفكك. إن تقييد قدرة الدولة الدفاعية ومنعها من امتلاك أدوات حماية أمنها القومي يُعد تجريداً آلياً لسيادتها، ويزيد من تقويض الاستقرار الإقليمي بدلاً من معالجته.
في المقابل، فإن المعضلة الحقيقية التي تؤجج النزاع وتطيل أمد الحرب تعود بالأساس إلى استمرار تدفق الدعم العسكري واللوجستي الخارجي للمليشيات المتمردة، وهو ما أثبتته تقارير حقوقية ودولية متعددة. إن سياسة الإغفال عن تجفيف منابع التمويل والتسليح التي تتلقاها القوات غير النظامية عبر منافذ عابرة للحدود، والتغاضي عن الأطراف الإقليمية والدولية المسهمة في تغذية الصراع، يحول التدابير الدولية إلى أداة تُضعف الدولة وتحمي المليشيا ضمنياً.
إن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين يقتضي من مجلس الأمن والمجتمع الدولي إحداث تغيير جذري في فلسفة التدخل والوساطة، والانتقال الفوري من مسار معاقبة الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية إلى مسار يستهدف حصرياً شبكات الإمداد الخارجية والجهات الراعية للمليشيات المتمردة. ويستلزم ذلك التوقف عن صياغة قرارات ساوات بين الطرفين، واستبدالها بإجراءات صارمة تُعاقب المجموعات الخارجة عن القانون وداعميها، مع التأكيد على المواقف الدولية الحكيمة التي تضع سيادة السودان ووحدة أراضيه في مقدمة أي تسوية.
ختاماً، إن الطريق نحو السلام المستدام في السودان لن يتحقق عبر إضعاف مؤسسات الدولة أو تجريدها من أدوات الدفاع عن حياض الوطن، بل يبدأ بالاعتراف الصريح بالأركان الأساسية للقانون الدولي: إن السودان دولة ذات سيادة كاملة، والقوات المسلحة هي جيش الدولة الرسمي، والمليشيات الخارجة عن القانون لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة. إن إنهاء الصراع يتطلب وقف التدخلات الخارجية الشائنة، وتجفيف منابع التسليح، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتهيئة المناخ لحوار وطني سوداني يرسخ دولة المؤسسات والاستقرار.