
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com شرايين التنمية تحت مقصلة العبث
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
شرايين التنمية تحت مقصلة العبث
البنية التحتية لأي دولة ليست مجرد كتل إسمنتية وطبقات من الأسفلت الممتد عبر الفيافي والمدن، بل هي الشرايين الحيوية التي يتدفق من خلالها نبض الاقتصاد، وتتحرك عبرها عجلة التنمية، و تتواصل من خلالها الأوصال الاجتماعية. ولعل المقطع المصور الذي جرى تداوله مؤخراً، والذي يُظهر أحد الأفراد وهو يقوم بكل جرأة بتكسير وقطع طريق قومي عام، يمثل جرس إنذار خطير يضعنا جميعاً أمام تساؤلات ملحة حول ثقافة احترام الممتلكات العامة، وحجم الاستهتار الذي يمكن أن يهدد مقدرات الأمة.
إن مشهد التعدي السافر على طريق يخدم الملايين لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل هو تجسيد لخلل عميق في الوعي بقيمة الممتلكات العامة. لذلك، جاءت التوجيهات الفورية من أعلى الهرم الإداري في هيئة الطرق والجسور باتخاذ إجراءات قانونية صارمة وفتح بلاغات رسمية ضد مرتكب هذا الفعل، لتشكل خطوة في الاتجاه الصحيح. هذا التدخل الحاسم، المدعوم بتوجيه جهات الأمن الاقتصادي لمتابعة القضية حتى نهايتها، يبعث برسالة قوية لا لبس فيها: العبث بمقدرات الوطن خط أحمر لا يقبل المساومة.
إن تدخل الأمن الاقتصادي هنا يحمل دلالة بالغة الأهمية؛ فتخريب الطرق ليس مجرد إتلاف لطبقة أسفلتية، بل هو جريمة اقتصادية مكتملة الأركان. فهو يعطل حركة التجارة، ويزيد من تكلفة النقل، ويهدد سلامة المواطنين، ويكبد الخزينة العامة أموالاً طائلة لإعادة التأهيل، كان من الأولى أن تُصرف في مشاريع تنموية جديدة.
إذا تجاوزنا الحادثة الفردية التي وثقتها الكاميرات، سنجد أن هناك ممارسات أوسع نطاقاً وأشد خطراً تنهش في جسد بنيتنا التحتية بصمت، وهو ما يستوجب وقفة جادة للمراجعة والمحاسبة. من أبرز هذه الممارسات السلبية التي كشفت عنها الجهات الهندسية المختصة: الفتح العشوائي للمصارف، مع حلول مواسم الخريف، يعمد البعض إلى شق الطرق أو تحويل مسارات المياه بطرق بدائية وعشوائية لحماية ممتلكاتهم الخاصة، متجاهلين أن هذا الفعل يؤدي إلى جرف الأساسات الإنشائية للطرق وانهيارها السريع، مع التعدي على حرم الطرق بالبناء العشوائي أو إنشاء أنشطة تجارية في المساحات المحاذية للطرق يعيق عمليات التوسعة والصيانة، ويشكل خطراً مباشراً على السلامة المرورية، بالاضافة الى نهب مواد الحماية والتعدين العشوائي، إن التعدي على الأكتاف الترابية للطرق أو ممارسة التعدين العشوائي بالقرب منها يسحب البساط الداعم لهيكل الطريق، مما يجعله عرضة للتشقق والانهيار تحت وطأة الحمولات الثقيلة.
إن حماية هذه المرافق الاستراتيجية لا يمكن أن تقتصر على جهود فرق الصيانة أو الدوريات الأمنية وحدها، رغم أهميتها البالغة والجهود الحثيثة المبذولة حالياً لتجهيز الطرق وفتح المصارف استعداداً لموسم الأمطار. بل هي مسؤولية تضامنية تبدأ من المواطن الذي يجب أن يكون الحارس الأول لمكتسبات وطنه.
تدهور البنية التحتية نتيجة لهذه التعديات ينعكس سلباً على كل فرد في المجتمع. فالحفرة التي تُصنع اليوم بتصرف أرعن، قد تكون غداً سبباً في حادث سير مأساوي يودي بحياة أبرياء، أو سبباً في تلف مركبات تنقل غذاءً ودواءً.
لضمان استدامة هذه الثروة القومية، يجب أن تتضافر الجهود عبر عدة مسارات: بتفعيل سيف القانون، فيجب أن تكون العقوبات الموقعة على مخربي الممتلكات العامة رادعة، وعلنية، لتشكل زجراً لكل من تسول له نفسه العبث بالبنية التحتية، مع تكثيف حملات التوعية الميدانية والإعلامية وإعادة غرس مفهوم “الملكية العامة” في الوعي الجمعي، وتبيان أن الشارع العام هو امتداد لبيت المواطن، بالاضافة الى الاستباقية الهندسية بتوفير حلول هندسية مبتكرة لمشاكل تصريف المياه والسيول قبل حلول موسم الخريف، لسد الذرائع أمام المواطنين الذين قد يلجؤون للحلول العشوائية المدمرة.
في الختام، إن الطرق القومية هي شرايين الحياة التي تغذي مستقبلنا جميعاً. وما لم نقف صفاً واحداً، دولةً ومواطنين، للتصدي لكل يد تمتد إليها بالتخريب، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من البناء والهدم، وندفع ثمن ذلك من دماء أبنائنا ومقدرات أجيالنا القادمة.