الأعمدة

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com  فجوة التكوين الإعلامي في السودان: بين التنظير الأكاديمي والتحول الرقمي

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

فجوة التكوين الإعلامي في السودان: بين التنظير الأكاديمي والتحول الرقمي

 

تخوض الأكاديميا الإعلامية في السودان أزمة وجودية غير مسبوقة تضع جدوى المناهج الحالية على محك الاختبار. وفي ظل التسارع التكنولوجي الهائل، يظهر بوضوح أن كليات الإعلام لم تعد قادرة على تقديم خريجين يمتلكون المهارات العملية الأساسية المطلوبة في سوق العمل. ويتضح هذا التباين الشديد بين ما يتلقاه الطلاب داخل أسوار الجامعات وما تتطلبه المؤسسات الصحفية والتلفزيونية والمنصات الرقمية الحديثة التي أصبحت تعتمد كلياً على أدوات تقنية مرنة.

تسعى الأكاديميات التقليدية لترسيخ النظريات القديمة وتلقين الطلاب أركان الخبر الصحفي بالشكل التقليدي المكتوب والصحافة الورقية، متغافلة عن التحولات الجذرية التي أدخلتها الوسائط المتعددة (Multimedias). هذا الأسلوب القديم ينتج خريجين يمتلكون حصيلة نظرية بلا تطبيق عملي يذكر، مما يتركهم غير قادرين على منافسة متطلبات العمل الفعلية. ولم تعد المؤسسات الصحفية تبحث عن التخصص المحدود كالصحفي المكتوب أو المذيع فقط، بل أصبحت تركز على الصحفي الشامل (المنتج الرقمي المتكامل) الذي يمتلك مهارات واسعة تغطي دورة إنتاج المحتوى الرقمي من الألف إلى الياء.

يتطلب التطور التقني الحالي صحفياً قادراً على صياغة الفكرة وتصويرها، ومونتاجها، وإضافة المؤثرات البصرية، وإدارة العرض الرقمي، والتفاعل مع الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، تشير الواقعية التعليمية في كليات الإعلام السودانية إلى غياب التجهيزات التقنية والمعامل المتخصصة لتصوير الفيديو ومونتاجه، واستخدام التطبيقات الرقمية الذكية المتاحة حالياً على الهواتف الذكية مثل (CapCut) للمونتاج و(Canva) للتصميم والتصوير الاحترافي عبر (Blackmagic).

هذا الانفصال الأكاديمي يخلق فجوة سوقية هائلة، حيث تجد المؤسسات الإعلامية صعوبة شاقة في العثور على كوادر مؤهلة وموثوقة لربط المفاهيم النظرية بالتطبيق العملي السريع. ومما يفقد الشهادات الجامعة قيمتها العملية هو اعتماد بعض الكليات على تخريج أعداد غفيرة من الطلاب سنوياً دون تسليحهم بأدوات العصر، مما يجعل حتى الطلاب الأوائل على دفعاتهم غير قادرين على التأقلم في البيئة الرقمية بدون إعادة تأهيل شاملة ومستقلة.

كما أدى إهمال كليات الإعلام للجانب العملي والتكنولوجي إلى تقليل فرصة الخريجين في الحصول على وظائف مرموقة سواء محلياً أو إقليمياً، ما يتطلب من المؤسسات التعليمية إعادة النظر في فلسفتها التعليمية، والتحول من التلقين إلى التدريب الميداني والإنتاج الفعلي للمحتوى الرقمي الشامل لتدارك الفجوة الحاصلة قبل فوات الأوان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى