الأعمدة

ضُل الغيمة  رغم الجراح أبناء بني هلبة والسلامات يُسقطون رهانات الفتنة .  كتب : الفاتح بهلول 

ضُل الغيمة

رغم الجراح أبناء بني هلبة والسلامات يُسقطون رهانات الفتنة .

كتب : الفاتح بهلول

 

في وقت تشهد فيه البلاد تحديات أمنية واجتماعية معقدة جراء حرب الخامس عشر من ابريل برزت مبادرة مجتمعية رائدة قادها أبناء قبيلتي البني هلبة والسلامات بالخرطوم لتؤكد أن صوت الحكمة يظل أقوى من أصوات البنادق وأن إرادة التعايش والسلام قادرة على تجاوز جراح الصراع مهما بلغت حدتها ، ففي أعقاب الأحداث المؤسفة التي شهدتها ولاية جنوب دارفور بين المكونين الاجتماعيين وما ترتب عليها من خسائر في الأرواح و الممتلكات واتساع دائرة التوتر تحرك عدد من القيادات الأهلية والمجتمعية من أبناء القبيلتين لإطلاق مبادرة هدفت إلى احتواء الأزمة و إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين وذلك بدعم ومساندة من والي ولاية جنوب دارفور الأستاذ بشير مرسال.

 

وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد و ما صاحبها من غيابٍ لهيبة الدولة في مناطق سيطرت المليشيا وتراجعٍ مروع في مؤسسات إنفاذ القانون الأمر الذي أسهم في تعقيد المشهد وتفاقم تداعيات الصراع، حيث تأتي المبادرة في ظل معاناة عاشها أبناء البني هلبا خلال السنوات الماضية شملت الاعتقالات والمضايقات والأحكام القضائية التي وصلت حد الإعدام بحق رجال سجلوا أسمائهم بأحرف من نور في تاريخ الولاية السياسي و الإجتماعي بالتالي ليس من الغريب أن يطلع هؤلاء العظام بمسؤوليتهم الأخلاقية والاجتماعية تجاه مجتمعهم ووطنهم .

 

ورغم البعد الجغرافي عن مناطق الأجداد وميادين الأحداث فقد أثبت أبناء القبيلتين في الخرطوم أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالمكان وإنما بالمواقف حيث شمروا عن سواعدهم لإخماد نار الفتنة والعمل على رأب الصدع بين مجتمعين تربطهما علاقات تاريخية راسخة من الجوار والمصاهرة والتعايش المشترك على خلفية ذلك بات من المؤكد أن صابوني و اللواء معاش عبدالمالك البشير و دبكة قادرين على صناعة جسراً للسلام و أن ما جرى من اقتتال لا يعبر عن القيم الأصيلة للقبيلتين ولا عن تاريخهما المشترك لا سيما روابط الدين الإسلامي و الأخوة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية الممتدة فهي التي تظل أقوى من أي خلافات عابرة أو محاولات لإثارة الفتن بين أبناء المجتمع الواحد .

 

إن أهمية نبذ خطاب الكراهية ومحاربة دعوات التحريض والعنف البديل الأمثل للدفع بالحوار والتفاهم باعتبارهما السبيل لمعالجة النزاعات المجتمعية بيد أن اللجوء إلى السلاح لم يجلب سوى الدمار وإراقة الدماء فضلاً عن تعميق الجراح و بالمقابل يمثل التوافق المجتمعي الطريق الأقصر نحو الأمن والاستقرار .

 

خلصت المبادرة إلى توافق واسع بين الطرفين يفضي بتكامل الجهود والعمل المشترك من أجل طي صفحة الخلاف و تهيئة المناخ لمصالحات مجتمعية شاملة تسهم في إعادة اللحمة الاجتماعية وترسيخ قيم التعايش السلمي بين أبناء القبيلتين ، و نجاح هذه المبادرة يعكس الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به القيادات الأهلية والمجتمعية في معالجة النزاعات المحلية خاصة عندما تتقدم الحكمة على الانفعال و تعلو مصلحة المجتمع على المصالح الضيقة

 

و لعل ما قام به أبناء السلامات والبني هلبة في الخرطوم يمثل رسالة بالغة الأهمية لكل السودانيين مفادها أن السلام يبدأ من إرادة الناس لأنفسهم وأن الأوطان تتعافى عندما ينتصر صوت العقل لتُحقن الدماء و تتقدم قيم التسامح والتعايش على أسباب الفرقة والصراع .

 

و في ظل الحاجة الماسة إلى مبادرات مماثلة في مختلف أنحاء البلاد تبقى هذه الخطوة نموذجاً إيجابياً يستحق الإشادة والدعم باعتبارها جهداً وطنياً خالصاً يهدف إلى حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز فرص الاستقرار في السودان يصنع جسراً للسلام يُسقط رهان الفتنة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى