
عشريني يحارب في فلسطين (3-3)
حصاد الألسن – عبدالله مسعود
كان العدوان الثلاثي رد فعل لتأميم قناة السويس حيث أوعزت كل من إنجلترا وفرنسا إلي إسرائيل بشن غارات جوية علي مصر صبيحة التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956م ولكن صمود الجيش المصري جعل إنجلترا وفرنسا تعمدان إلى إنزال قواتهما في السويس وبورسعيد بهدف تطويق الجيش المصري، إلا أن الجيش المصري فطن إلى الخدعة فانسحب وصارت مدفعيته ودفاعه الجوي تتصديان للطائرات الإسرائيلية وتركت للمواطنين التصدي للقوات التي تم إنزالها في المدن والذين أظهروا بسالة نادرة وتضحيات جسيمة في قتال المعتدين. شارك ميرغني في حرب الشوارع وأبلي بلاءا حسنا هو وصديقه المرشدي إبن المنصورة المقدام. اضطرت الدول المعتدية للإنسحاب من الأراضي المصرية إثر إنذار أمريكا الشهير. كان الإنسحاب هو الخزي والعار لدول العدوان والإنتصار لمصر وشعبها الباسل. عاد ميرغني وصديقه إلي المنصورة وباشر ميرغني عمله بعد إسقاط بقية مدة العقوبة عنه وتمت ترقيته ونقله الي هندسة ري غرب الدقهلية الأقرب الي مدينة المنصورة. مضت الأعوام دون حدث يذكر ودون أن يفكر ميرغني في زيارة أهله في السودان إلا أنه داوم علي الكتابة للأهل والوقوف على أخبارهم. في عام 1962م رأي ميرغني وقد أكمل عامه الرابع والثلاثين أن يكمل نصف دينه فاقترن بأخت صديقه المرشدي (اﻵنسة فاطمة) التي أهدته كل من محمد وخليل وعبدالله وعوض. فعندما زرتهم في المنصورة في مايو 1967م كان لميرغني ولدان فقط هما محمد وخليل. عند بلوغ محمد السادسة بعث به والده للمدرسة فطلبت منه سلطات المدرسة شهادة ميلاد الطفل فأخرج لهم ميرغني الشهادة التي كان يحملها معه. اطلع مدير المدرسة علي الشهادة وفوجئ بما لم يخطر له على بال. فقد كتب في خانة الجنسية (الجنسية عربي). رفض الناظر تسجيل الطفل فثار ميرغني وأرغى وأزبد وقال إن عروبتي هي التي أتت بي لمصر وعروبتي هي التي قذفت بي في أتون حرب سلاحها فاسد، ونجوت فيمن نجوت، وعروبتي هي التي جعلتني أقود حرب شوارع في بورسعيد دون إستنفار من احد. أبعد كل ذلك يحرم ابني من التعلبم ﻷنه عربي وفي بلد هي الحارس الأمين للعروبة وتحتضن الجامعة العربية !؟
ذهل المدير وهيئة التدريس لمنطق ذلك العربي ذي السحنة السمراء ولكن القانون لا يعترف بتلك الجنسية ووعدت المدرسة أن تقوم بمساعدته في الحصول علي شهادة ميلاد بجنسية مصرية أو سودانية حيث أن ميرغني لم يسع للحصول علي الجنسية المصرية ولا ذنب له إن إختار له ابوه الجنسية السودانية بدلا عن الجنسية العربية. رفض ميرغني بإباء ذلك الحل. إذن ماهو الحل !؟ وعد مدير المدرسة بأن يرفع الأمر إلى إدارة التعليم وقد كان. رفعت ادارة التعليم الأمر الي الوزارة في القاهرة ﻷن الأمر يشكل سابقة لا قبل لهم بها واخيرا أفتت الوزارة بحق الإبن العربي في التعليم بعد أن راجعت الوزارة إدارة الري لتنويرها عن ذلك العربي ذي الحس الوطني المتفرد.
الختام:
أكمل أبناء ميرغني الأربعة تعليمهم الجامعي وتأهل منهم محمد وخليل (تزوج خليل بنت خاله المرشدي وأولدها بنتا وولدا) وحصلوا كلهم علي جوازات مصرية. توفي ميرغني لرحمة مولاه في عام 1976م ولحقت به زوجه فاطمة في الثمانينات. أسأل الله لهما الرحمة والمغفرة. هل علمتم الآن لماذا تناولت سيرة ذلك البطل بصرف النظر عن صلة القربى!؟