مقالات

علي مهدي  يفعل ما تعجز عنه المؤسسة 

بقلم: صلاح التوم من الله

 

عرفت الفنان على مهدي منذ ان كان يافعا من خلال عملي كصحفي مهتم بالمسرح والتلفزيون والاذاعة … وكان على مهدي طالبا بمعهد المسرح والموسيقى .. شاب ضعيف البنية بدأ ساخرا منذ الوهلة الأولى يمتلك موهبة اضحاك الناس ويمثل اتجاها في ذلك يختلف عن نمطيات ابو قبورة وتور الجر وحتى الفاضل سعيد وقد اطلق البعض على اسلوبه 《 المهدزم 》 على منوال «المدبولزم» والمقصود طريقة عبد المنعم مدبولي في الكوميديا .. ومثل على مهدي في السبعينات مع الفنان عز الدين هلالي تذوقا وطعما جديدا في الكوميديا السودانية لشباب درس التمثيل ومثقف فنيا ويبحث عن شكل جديد واداء مختلف في الأعمال الفنية التي طرحت في السبعينات والثمانينات لعدد من الكتاب … وبدأ في الموسم الثالث للمسرح القومي بام درمان ٦٩ / ٧٠ بالمشاركة في مسرحية ( احلام جبرة ) تأليف عبد الرحيم الشبلي بطولة الممثل الساخر الرائع يحى الحاج والمبدع محمد شريف على وغيرهما وهي من اروع المسرحيات في تاريخنا … وشارك على مهدي في موسم ۷۱/۷۰ في مسرحية ( اهل البلد ) مسودنة عن نص للكاتب النيجيري وولي سوينكا وقدم انجح اعماله مسرحية ( هو وهي ) من بطولته وتواصلت عروضها عدة سنوات واعتبر ذلك حدثا فريدا يدل على جماهيرية على مهدي وقدم ايضا مسرحية مدفع الدلاقين… ولم يقتصر على المسرح بل شغل الشاشة والمايكرفون باعمال كوميدية عديدة نذكر منها :

مسلسل حكاية عمران.

مسلسل تلفون القلوب

سلسلة العرضحالجي

مسلسل اب جاكومة

ثم فعلت الايام والظروف ما تشاء وتفرق في الحياة جيل مبشر بكوميديا سودانية ذات ملامح جديدة فسعى عز الدين هلالي نحو البحث العلمي والاكاديميات وابتعد مغتربا كما اغترب يحى الحاج الى دولة الامارات يعمل في مجال الاخراج وبقى محمد شريف على يناضل على جبهتين .. جبهة المسرح والفن الدرامي ، والكوميديا كاتبا وممثلا ومخرجا ومنتجا واثمرت التجربة الكوميدية الأولى لهذا الرعيل النابع من معهد المسرح بعض الشباب سار على الدرب لعل اميزهم واكثرهم نجاحا وجماهيرية فرقة الاصدقاء ..

لكن على مهدي تحول الى شئ آخر لا يستطيع ان يفعله الا شخص واحد في السودان اسمه على مهدي وكنت دائما اقول لو امتلك كل فنان سوداني ما اسميه «الطموح الخرافي» لهذا الرجل على مهدي لتطور الفن السوداني إلى أعلى المراتب ولما اصبح الفنان السوداني ذلك الشخص البائس الذي يحتاج الى من يمده بنظرة اشفاق وكسرة خبز ..

سعى على مهدي أولاً وبما يملك من موهبة فذة في هذا المجال الى توثيق علاقاته مع الشخصيات والمؤسسات ذات النفوذ والمال وهو يملك قدرا مدهشا في هذه الناحية لو سخرها منذ وقت مبكر في السياسة لأصبح الآن رئيس الجمهورية دون مبالغة ..

أمن على مهدي لنفسه منذ البداية الوضع المالي الجيد القادر على اعاشته كممثل في صورة «مهراجا» .. والقادر ايضا على تسديد نفقات استثمارية في مجال الفن وابعد عن نفسه المعاناة التي قتلت كثير من اهل الفن في هذا البلد ..

وفي الوقت الذي كان يسك فيه بعض زملاء على مهدي الوظيفة التقليدية للوصول في النهاية الى منصب مدير المسرح كأعلى طموح كان على مهدي يفكر باسلوب «عالمي» متطور الى ابعد. من السودان نفسة فامتلك المال اولا ثم روج لنفسه خارج البلاد في الاروقة العربية والعالمية ونجح في شغل منصب امين عام اتحاد الفنانين العرب ثم نائب رئيس أعلى اتحاد يشمل كل المسرحيين في العالم أجمع ، وكان قبلها قد شغل منصب نقيب الدراميين في السودان منذ السبعينات واصبح وجه السودان المشرق في المحافل الفنية العالمية ..

صحيح ان نجاحات على مهدي في العالم الخارجي لا توازي داخليا الحال المتواضع لمسرحنا وفنوننا .. وهذا مثل نجاح د. كمال شداد عالميا لا يوازي الحال المتواضع لكورتنا داخليا .. لكن من المعلوم ان على مهدي ليس مسئولا لوحده عن تطور الفنون في السودان ومع ذلك فان ما انجزه محلياً وصعد به خارجيا لم تستطع مؤسسات رسمية لها امكانات مالية وجيش من الموظفين ان تحققه فقد افتتح مسرحا خاصا في ام درمان ( مسرح البقعة ) وقبل ايام قدم هذا المسرح الدورة العاشرة وبدأ تمهيديا بـ ٧٦ عرضا مسرحيا في ست مدن بمشاركة اكثر من ١٤٠٠ ممثلاً ومؤلفا ومخرجا ومساعدا وشاهدها حوالي 11 ألف متفرج وشهدت المسابقة الدولية تنافسا لعشرة عروض مسرحية من السودان وعرضا من مصر وآخر من تشاد وقدمت الولايات المتحدة عرضا

خارج المنافسة وشاهد العروض ١٢ ألف متفرج وانعقد على هامشها المنتدى الفكري السابع .. وساهم مسرح البقعة في اصدار كتب عن المسرح بلغت عشرة وكرم هذا المسرح نجوم المسرح الذين ساهموا في المسيرة المسرحية السودانية بل ان مسرح البقعة لعلى مهدي خرج بالمسرحيات السودانية الى خارج القطر فقدم في باريس مسرحيتي «دومة ودحامد» و «سلمان الزغرات» وشارك مسرح البقعة بمسرحيات سودانية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح ومهرجان قرطاج ..

على مهدي رجل «مؤسسة» بمعنى الكلمة يفعل ما يعجز عن فعله المسرح الرسمي بقدرات مدهشة يمتلكها هو وحده وينشر في السودان الآن نشاطا مسرحيا بينما المؤسسة المسرحية الرسمية ومسرح القطاع الخاص متوقفان عن النشاط المسرحي ويعطي بذلك درسا مجانبا لاولئك الذين يتذرعون بالامكانات ..

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى