
تأملات
جمال عنقرة
تزامن يوم وصولنا مصر مع اخي عبدالله الهدي لتقديم واجب العزاء في فقيدتنا الغالية الراحلة المقيمة اختنا الكريمة هادية عبد المطلب الهدي لزوجها المكلوم اخينا وصديقنا عبد الباقي عبد الله هلال، ولابنائها الحزاني، همام وهيفاء وهناد ومحمد، ولأشقائها الهدي وفادية، وهنادي، ولحفيدها بقة الصغير، تزامن يوم وصولنا مع دعوة اخي الحبيب الشريف السفير الدكتور علي يوسف أحمد الشريف، التي اقامها وزوجته اختنا السيدة الفضلي هدي غريبة، علي شرف مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان السفير ياسر سرور المرشح لقيادة البعثة الدبلوماسية المصرية في السودان وحرمه السيدة الفضلي مدام ندي، وكما هو معلوم فإن السفير ياسر سرور سوف يتبادل المواقع مع السفير هاني صلاح الذي انتهت فترة سفارته لمصر في السودان.
إشارات ومؤشرات الدعوة العظيمة، كثيرة، ولكني أقف في هذا المقال عند طرفيها الأساسيين، المحتفي، السفير علي يوسف، والمحتفي به السفير ياسر عبد الرحمن سرور.
ويعلم كثيرون أن شهادتي في السفير علي يوسف غير مجروحة، ذلك انها نابعة عن علاقة قديمة وعميقة، وبيننا قواسم مشتركة كثيرة، حتى أن كثيرين يقدمونني علي انني صديق علي يوسف، وآخرين يقدمونه بصفته صديق جمال عنقرة، والسفير علي يوسف شخصية فريدة ومتفردة، أذكر عندما توفي والده له الرحمة والمغفرة وجاء الرئيس البشير لتعزيتهم في الفتيحاب قال له البشير “الزمن ده كله قايلك من عيال نمرة ٢ تطلع من اولاد الفتيحاب” فضحك الناس وضحك البشير، ثم اردف، “اليوم عرفنا سر الكرم والشهامة” وتلك خصال يعرفها كل من عرف الشريف علي يوسف، وليس من باب المبالغة، فدعوة السفير علي يوسف علي شرف السفير ياسر سرور موضوع المقال، يمكن أن تكون الدعوة الخمسين التي احضرها مع السفير علي يوسف لوداع سفير سوداني أو غير سوداني، مرشحا من السودان او اليه، في الخرطوم أو في القاهرة، فالشريف علي يوسف رجل إيجابي وفاعل، وحاضر دوما، لذلك تجد بصماته في كل مكان مر عليه، ولو كان مروره عارضا، مثل فترته القصيرة جدا في وزارة الخارجية السودانية وزيرا، فلقد استطاع خلال تلك الشهور المحدودة، أن يحقق إنجازات عجز عنها آخرون قضوا سنوات وزراء، وغادروا دون أن يتركوا أثرا، وتلك فرصة لاذكر ما قلته لاحد الأصدقاء عن مغادرة علي يوسف وزارة الخارجية في وقت وجيز، فقلت له أن علي يوسف كان الوزير المناسب في وقت غير مناسب، وكانت أسوأ ملامح تلك الفترة التي عمل فيها وزيرا، تنافر وعدم تناغم وتناسق المفاهيم والسياسات لقيادات الدولة العليا، وللأسف أن ملامح تلك الفترة التي فقد فيها وبسببها السودان أعظم وزير، لا تزال باقية، ويكفي علي يوسف عزا وكرامة وشرفا، انه غادر الوزارة ولم يغادر المشهد العام، ولم يفقد بريقه، وفاعليته.، وحضوره الجميل الأخاذ.
أما المحتفي به السفير ياسر سرور، فهو يشبه كل زملائه السابقين – علي الاقل الذين عرفتهم خلال سنوات قاربت الخمسين عاما، منذ السفير احمد عزت عبد اللطيف في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحتى السفير هاني صلاح الذي يحل السفير سرور محله، فكل هؤلاء السفراء تقريبا ذهبوا إلى السودان من موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون السودان، منذ ما قبل انفصال الجنوب، ومنذ أن كان مقر المساعد في الجيزة، وكلهم عادوا من السودان بعد انقضاء فترة عملهم، إلى موقع المساعد، ولكن الجديد بالنسبة للسفير سرور، أن موقع المساعد في فترته لم يكن موقعا برتوكوليلا لتسيير الأعمال الروتينية فقط، ولكنه كان موقعا حاضرا وفاعلا، في أحرج مرحلة مر بها السودان، وكانت مصر حاضرة فيها بقوة، وكان السفير سرور ضمن الحاضرين الفاعلين، ثم أن السفير سرور يذهب خلفا للسفير هاني صلاح، الذي تفوق علي نفسه، قبل أن يتفوق علي كل الذين سبقوه، وهو بذلك يضع ارثا عظيما، حتما سوف يستفيد منه السفير سرور فائدة قصوي، وما يزيد من تهيئة الأجواء للسفير سرور في السودان، والسفير هاني في مصر، أن مرحلة الحرب، والنزوح السوداني الجماعي إلى مصر، اتاحت فرصة للسودانيين، لمعرفة المصريين، والمصريين لمعرفة السودانيين، وقديما كان السودانيون يعرفون المصريين من خلال العتبة، والموسكي، والدكتور طلبة عويضة، والدكتور عبد السلام جمعة، والكابتن مصطفي يونس، والنصريون كانوا يعرفون السودانيين من خلال زمالة الاغتراب في دول الخليج العربي، وسوق البراجيل، وكابتن عمر النور وكابتن شطة، والفنانة ستونة، وجواهر.
واقول ختاما ذات ما قلته في الكلمة الاستثنائية التي خصني بها السفير الشريف علي يوسف في حفل الوداع، فمصر نظرتها للسودان استراتيجية وعميقة، ولا بد أن ترتقي الحكومة السودانية لهذا المستوي، فمصر لا تبعث ممثلا إلى السودان الا بعد تمحيص، ولذلك فإن كل الذين عملوا في السودان، ارتقوا في المواقع والمناصب، لأنهم خيار من خيار، ومصر لا تتعامل مع السودان، بالانفعالات اللحظية، واقول علي سبيل المثال، عندما غضب السودانيون عام ١٩٥٨م بسبب وضع مصر حلايب دائرة انتخابية، لم يتردد الرئيس جمال عبد الناصر في إلغاء الدائرة، ولما أمر رئيس الوزراء السوداني السيد عبدالله بك خليل الجيش بدخول حلايب، ونقلت الاستخبارات المصرية ذلك للرئيس جمال عبد الناصر، وابدوا استعدادا لاخراجهم بالقوة، قال لهم الزعيم ناصر ” مش هنحارب السودان حتى لو دخل الجيش السوداني قصر عابدين” ولما تورط بعض السياسيين للسودانيين المتهورين في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام ١٩٩٥م، وقال له بعض قادة الجيش المصري انهم يمكن أن يدمروا الخرطوم في ساعة قال لهم “لن نحارب السودان بسبب أخطاء سياسيين غير ناضجين”
وأقول بملء الفم، ان فترة هاني سرور، ومن خلفهم الوزير بدر عبد العاطي، وامامهم الرئيس عبد الفتاح السيسي صاحب المقولة الخالدة والصادقة، والمفتاحية “ما لناش غير بعض” فهذه فترة ذهبية يجب ألا نتركها دون تحقيق الأحلام الكبيرة، وحلمنا نحن أبناء وادي النيل، وعصر التكامل الذهبي، لن يكتمل الا برؤية شكل من أشكال الوحدة بين السودان ومصر، وهاني وسرور فرسا رهاننا في مصر، ونرجو أن يبعث لنا السودان بخيرة فلذات كبده، من يعيدون سيرة الراحل المقيم عم احمد السفير الوزير احمد عبد الحليم له الرحمة والمغفرة