الأعمدة

قراءة المواقف الدولية ودلالات إنتخاب السودان نائبًا لرئيس اللجنة الأولى بالأمم المتحدة سعد محمد عبدالله

قراءة المواقف الدولية ودلالات إنتخاب السودان نائبًا لرئيس اللجنة الأولى بالأمم المتحدة

سعد محمد عبدالله

 

تمكنت الدبلوماسية السودانية خلال الفترة الماضية من تحقيق سلسلة من النجاحات التي أسهمت في تعزيز مكانة السودان إقليميًا ودوليًا، بعد سنوات من التحديات السياسية والأمنية التي ألقت بظلالها على علاقاته الخارجية، وقد تجلت هذه الجهود المضنية في إستعادة السودان لعضويته داخل منظمة الإيقاد، وفتح قنوات حوار أكثر فاعلية مع الإتحاد الإفريقي، إلى جانب الحضور المتنامي داخل أروقة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة؛ كما حرصت الدولة على تقديم رؤيتها تجاه القضايا الوطنية والإقليمية بقدر عالٍ من الشفافية والمسؤولية، الأمر الذي ساعد في إكتساب دبلوماسيها المصداقية ودفع نحو بناء جسور الثقة مع العديد من الدول والمنظمات الدولية ذات الثقل السياسي والإقتصادي والأمني، وفي هذا السياق جاء إنتخاب الوزير المفوض فيصل عبد العظيم سالم نائبًا لرئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أعمال الدورة الحادية والثمانين، ممثلًا للمجموعة الإفريقية، ليشكل إنجازًا دبلوماسيًا جديدًا يضاف إلى رصيد السودان الخارجي، ويعكس نجاح الجهود التي ظلت تقودها البعثة الدائمة للسودان لدى الأمم المتحدة برئاسة السفير الحارث إدريس، والرامية إلى توسيع دائرة الحضور السوداني في مراكز صنع القرار الدولي والمشاركة الفاعلة في مناقشة القضايا ذات البعد الإستراتيجي.

 

تكتسب أهمية هذا المنصب من طبيعة الإختصاصات التي تضطلع بها اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تُعد من أهم لجان المنظمة الدولية وأكثرها إرتباطًا بقضايا الأمن والإستقرار العالمي؛ فهذه اللجنة تتولى مهام مناقشة ملفات السلم والأمن الدوليين، ونزع السلاح، ومنع إنتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، فضلًا عن تنظيم ومراقبة عملية تداول الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تمثل أحد أبرز أسباب النزاعات المسلحة في العديد من مناطق إفريقيا والعالم أجمع؛ كما تُعنى اللجنة بقضايا الأمن السيبراني والفضائي باعتبارها من التحديات الجديدة التي تواجه جميع الدول في القرن الحادي والعشرين، ومن هذا المنطلق ننظر إلى فوز السودان بمنصب نائب رئيس اللجنة بوصفه خطوة إستراتيجية في مسار التموضع على خارطة العالم، فلا يمثل ذلك مجرد مكسب بروتوكولي، بل يُعد إعترافًا دوليًا بقدرة الدبلوماسية السودانية على الإسهام بفاعلية في إدارة الملفات الدولية المعقدة والمشاركة في صياغة الرؤى المتعلقة بالأمن الجماعي والإستقرار العالمي، لا سيما في ظل إتساع نطاق الإضطرابات السياسية والأمنية، ويعكس ذلك تزايد رصيد الثقة الذي تحظى به الكوادر السودانية داخل المجموعة الإفريقية والأمم المتحدة، ويؤكد أن السودان لا يزال قادرًا على إنتاج نموذج من الفعل الدبلوماسي الرصين وأداء أدوار مؤثرة تجاه القضايا الدولية رغم التحديات التي يواجهها داخليًا.

 

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا التطور عن التحولات التي تشهدها نظرة المجتمع الدولي للأوضاع في السودان خلال المرحلة الراهنة؛ فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في إهتمام الأمم المتحدة والدول الكبرى بسيرورة الأزمة السودانية ومحاولات البحث عن الآليات الدبلوماسية التي قد تساعد على حلها في إطار الحوار السودانوي، ونتابع ذلك سواء من خلال المواقف الإنسانية أو المبادرات السياسية الرامية إلى دعم الإستقرار والسلام؛ فقد أدانت الأمم المتحدة، على لسان المتحدث باسمها ستيفان دوجاريك، سقوط عشرات المدنيين خلال أيام عيد الأضحى نتيجة تصاعد أعمال العنف وإستخدام الطائرات المسيّرة، مؤكدة خطورة تفاقم الأزمات الإنسانية في البلاد، وأشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في إحدى تصريحاته الإعلامية، إلى إنخراط الولايات المتحدة بجدية في متابعة الأزمة السودانية، موضحًا أن التحدي الأكبر في هذه المرحلة الحساسة يتمثل في كيفية إيصال المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، وقد أكد الدبلوماسي نيك تشيكر، خلال منتدى يوم إفريقيا الذي إنعقد بواشنطن، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعيد صياغة علاقتها مع الدول الإفريقية على قاعدة براغماتية قائمة على المعاملة بالمثل والإحترام المتبادل، مع التركيز على بناء شراكات أكثر واقعية وتوازنًا مع القارة الإفريقية والمساعدة في عملية حل الأزمة السودانية عبر العمل الدبلوماسي، وتعكس هذه التصريحات إهتمامًا دوليًا متزايدًا بالشأن السوداني؛ كما تؤكد الحاجة إلى إحكام التنسيق بين الحكومة السودانية والشركاء الدوليين من أجل معالجة الأزمة الإنسانية وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق الإستقرار وصناعة فرص التنمية في الريف والمدينة، بما يضمن الحفاظ على سيادة الدولة وتحقيق مصالح المواطنين وتعزيز التعاون المسؤول بين السودان والهيئات الإقليمية والعالمية.

 

على هذا المسار، تبرز الجهود التي تبذلها المؤسسات الأممية لدعم مسارات السلام والتنمية في السودان، حيث أكد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا ريندا، إستعداد البرنامج لتقديم الدعم الفني والخدمي اللازم لتعزيز التعايش السلمي بين المجتمعات السودانية، والمساهمة في تنفيذ المشروعات المرتبطة ببناء السلام والإستقرار، وقد جاء ذلك خلال لقائه برئيس مفوضية السلام سليمان الدبيلو، في مؤشر واضح على رغبة المجتمع الدولي في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الأمن المجتمعي، ومن ثم فإن إنتخاب السودان في هذا الموقع الأممي الرفيع لا يمثل حدثًا معزولًا، بل يأتي ضمن مسار أوسع يعكس أهمية عودة السودان التدريجية إلى الخارطة الدولية وإستعادة دوره داخل المؤسسات الإقليمية والعالمية؛ غير أن المحافظة على هذه المكاسب تتطلب إستمرار العمل الدبلوماسي الفاعل على كافة الأصعدة، وتعزيز التوافق الوطني، وتوظيف العلاقات الخارجية لخدمة أهداف التنمية والسلام والوحدة على أساس التنوع؛ فهذه الإنجازات لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة جهود سياسية ودبلوماسية متراكمة، الأمر الذي يفرض مسؤولية وطنية مشتركة للحفاظ عليها وتعزيزها من أجل تأسيس سودان جديد أكثر إستقرارًا وسيادةً ووحدةً، وقادرًا على الصمود أمام التحديات والعبور بثقة نحو مستقبل مشرق يحقق تطلعات شعبه في دولة الحرية والسلام والتنمية والمواطنة بلا تمييز.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى