الأخبار

لقاءات القائد مالك عقار: قراءة في الدبلوماسية السودانية وتحولات المشهد الإقليمي

لقاءات القائد مالك عقار: قراءة في الدبلوماسية السودانية وتحولات المشهد الإقليمي

سعد محمد عبدالله

يسلط الحراك الدبلوماسي الذي يقوده نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، القائد مالك عقار، الضوء على خبرة سياسية ودبلوماسية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وتمثل مدرسة متكاملة للأجيال القادمة، وتعكس ملامح مرحلة مهمة في مسار السياسة الخارجية السودانية، وتتجه الجهود في هذه المرحلة نحو إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمعين الإقليمي والدولي، على أساس إحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، وتؤكد اللقاءات التي جمعته بالسفير الإيطالي والوفد الأوغندي أن قضية السودان، بكل تعقيداتها وأبعادها، لم تعد تُناقش من زاوية الحرب وآثارها فقط، بل من منظور تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لدعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على شرعيتها، وتهيئة الظروف الملائمة لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وصولًا إلى مستقبلٍ أكثر إزدهارًا للشعب السوداني، كما تمثل المواقف الرافضة لأي حكومة موازية دعمًا سياسيًا مهمًا يعزز فرص التوصل إلى تسوية تحفظ وحدة البلاد، وتمنع تكريس الإنقسام الذي يهدد إستقرار السودان والمنطقة بأسرها.

 

يعكس الموقف الإيطالي المعلن نهجًا دبلوماسيًا متوازنًا يقوم على إحترام مؤسسات الدولة السودانية وتعزيز علاقات الصداقة والتعاون والتبادل الثقافي بين البلدين، إلى جانب الإهتمام بالجوانب الإنسانية التي أفرزتها الحرب في السودان، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم اللذين تعرضا لأضرار جسيمة نتيجة إستهداف المرافق الخدمية والبنية التحتية، وتؤكد الإشادة بالعلاقات التاريخية بين السودان وإيطاليا أن الشراكات الراسخة قادرة على تجاوز الأزمات في كل الظروف إذا إستندت إلى رؤية قائمة على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل؛ وفي المقابل، فإن تأكيد روما إستمرار تعاونها التنموي مع الخرطوم يحمل رسالة إيجابية مثيرة للتفاؤل وتعكس عمق الثقة في مستقبل العلاقات الثنائية، وتؤكد أن السودان لا يزال يحظى بشركاء قادرين على الإسهام في تخفيف معاناة مواطنيه، ودعم جهود التعافي الوطني وإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة، بعيدًا عن الإستقطابات السياسية التي عطلت كثيرًا من المبادرات المهمة خلال السنوات الماضية.

 

أما اللقاء مع الوفد الأوغندي، فقد حمل أبعادًا سياسية وإقليمية بالغة الأهمية، وعكس جوانب مهمة جدًا من حرص القيادة الأوغندية على تعزيز التنسيق والتعاون مع السودان في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه مناطق القرن الأفريقي والساحل والصحراء، ويكتسب تأكيد الرئيس يوري موسيفيني، عبر رسالته الرئاسية، رفض أي محاولة لإنشاء حكومة موازية في أي جزء من الأراضي السودانية، والإعتراف بحكومة السودان فقط، أهمية خاصة باعتباره موقفًا داعمًا لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الشرعية؛ كما أن الدعوة إلى أن يكون الحوار السياسي سودانيًا خالصًا، بعيدًا عن الضغوط والإملاءات الخارجية، تكشف إدراكًا متزايدًا لدى عدد من الدول الأفريقية المؤثرة بأن الحلول المستدامة للأزمة السودانية لا يمكن أن تُفرض من الخارج تحت أي زريعة، وإنما ينبغي أن تنطلق من إرادة السودانيين أنفسهم، مع قيام الأشقاء والأصدقاء بدور داعم وميسر للحوار، بما يحترم إستقلال القرار الوطني ويعزز فرص الوصول إلى سلام دائم وإستقرار شامل في كافة أرجاء السودان.

 

تؤكد هذه اللقاءات مجتمعة أن السودان يمتلك فرصة حقيقية لإثبات وجوده وتطوير حضوره الدبلوماسي في المحافل الإقليمية والدولية، إذا واصل إنتهاج سياسة خارجية تقوم على الإنفتاح المتوازن والتعاون المنتج، والحوار البنّاء، وتبادل المصالح المشتركة، وإحترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ كما أن توسيع دائرة الدول الداعمة لوحدة السودان وشرعية مؤسساته الوطنية يمثل رصيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا في مواجهة تحديات المرحلة الراهنة والمستقبل، ويسهم في تعزيز فرص إستعادة الإستقرار ودفع جهود السلام والتنمية؛ غير أن نجاح هذه التحركات يظل مرهونًا بترجمة المواقف السياسية المعلنة إلى برامج تعاون عملية في مجالات مختلفة مثل الإغاثة وإعادة الإعمار وفتح الإستثمار والتنمية وتبادل الخبرات، بما يخفف من آثار الحرب، ويمدد مسيرة التعافي الوطني، ويمهد الطريق أمام بناء سودانٍ آمنٍ ومستقرٍ ومُوحد، يستعيد مكانته ودوره الفاعل في محيطه الإقليمي والدولي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى