
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
تأتي انطلاقة النسخة التاسعة من أسبوع القاهرة للمياه لعام 2026 – والتي تتزامن مع المؤتمر العربي السابع للمياه – في لحظة فارقة تعيد تعريف هندسة الأمن المائي في حوض النيل والمنطقة العربية برمتها. وتحت شعار «المياه حافزًا للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، لا تشكل هذه التظاهرة العلمية والدبلوماسية مجرد حدث سنوي لتبادل الرؤى الأكاديمية، بل تجسد منصة استراتيجية شديدة الحساسية والتعقيد، تمتلك الدولة السودانية من خلالها فرصًا جوهرية لإعادة رسم محددات أمنها القومي المائي والاستفادة من المظلة الدولية والإقليمية المطروحة.
يواجه السودان حزمة متداخلة من التحديات الهيكلية والمناخية، حيث يقع في قلب المنطقة الجغرافية الأكثر تأثرًا بالاضطرابات الهيدرولوجية في حوض النيل. وتتجلى أهمية مشاركة ومتابعة السودان لمخرجات هذا الحدث الدولي في عدة أبعاد رئيسية، ومنها مبدأ السلام الإقليمي والازدهار المشترك: إن التأكيد على أن التنمية لا ينبغي أن تتحقق للشعب على حساب شعب آخر هو الركيزة الأساسية التي يحتاجها السودان لحماية حقوقه التاريخية والمستقبلية في مياه النيل، والحد من أي إجراءات أحادية تضر بسلامة منشآته المائية أو أمنه المائي. والتكامل الإقليمي وحوكمة المياه العابرة للحدود، ويمثل خوض النقاشات المتعلقة بالإدارة الرشيدة للموارد المائية المشتركة وفق قواعد القانون الدولي ضامناً أساسياً للسودان لتثبيت حقوقه التشغيلية والفنية، وتنظيم تدفقات المياه بما يمنع الكوارث الناجمة عن التغيرات الفجائية في مستويات مناسيب الأنهار.
تُمثل الجلسات الفنية والعلمية رفيعة المستوى محطة محورية لتأكيد الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة للأنهار العابرة للحدود. وبالنسبة للسودان، فإن احترام القانون الدولي للبحار والأنهار الدولية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة لحماية البنية التحتية والمواطنين:
إن التنسيق الهيدرولوجي والالتزام بقواعد القانون الدولي يُعد المظلة الوحيدة التي تضمن سلامة منظومة السدود السودانية (مثل سد الروصيرص وسد سنار ومروي)، وتمنع مخاطر التدفّقات غير المنتظمة أو التغيرات الفجائية في مناسيب المياه. ويفتح تبادل الخبرات في الأسبوع المجال أمام السودان لتطبيق نماذج محاكاة رقمية متقدمة للتنبؤ بالفيضانات وإدارتها بالتنسيق مع دول الجوار، مما يقلل من الخسائر المادية والبشرية الناجمة عن مواسم الجفاف أو السيول العارمة.
شهدت أدبيات إدارة المياه تحولاً مفهومياً بارزاً برز خلال الفعاليات، وهو ضرورة تجاوز النظرة الضيقة المحصورة في “المياه الزرقاء” (مياه الأنهار والمجاري المائية) والانتقال إلى الرؤية المتكاملة التي تشمل “المياه الخضراء” (مياه الأمطار والمحتوى الرطوبي للتربة) والمياه الرمادية والسوداء المعالجة.
حيث تتمثل المياه الزرقاء في الأنهار، الأودية، والأحواض الجوفية وأهميتها الاستراتيجية والفرص للسودان تتمثل في تنظيم التدفقات عبر القانون الدولي لحماية السدود والأراضي الزراعية المرورية، وتتمثل المياه الخضراء في الأمطار المخزنة طبيعيا في التربة والمراعي ، وأهميتها الاستراتيجية والفرص للسودان تتمثل في استغلال المراعي الطبيعية الشاسعة وتطوير قطاع الثروة الحيوانية وتصديرها، وتتمثل المياه الرمادية والسوداء في مياه الصرف الصحي والصناعي المعالجة وأهميتها الاستراتيجية والفرص للسودان تتمثل في إعادة الاستخدام في التوسع الزراعي الحرجي والحد من التلوث البيئي.
يمتلك السودان مساحات شاسعة من المراعي الطبيعية والأراضي الاعتمادية على الأمطار. إن إدراج “المياه الخضراء” ضمن حسابات الموارد المائية الشاملة لدول الحوض يتيح للسودان مشروعات حصاد المياه واستقطاب الفواقد بإنشاء سدود حصاد مياه الأمطار والبحيرات الصناعية للاستفادة من السيول المهدورة، وتعزيز أمن الغذاء والثروة الحيوانية: رفع كفاءة استخدام الأمطار في المناطق المطيرة لدعم تربية الماشية وتوسيع قاعدة الصادرات، مما يدعم الاقتصاد الوطني دون إجهاد حصة السودان من المياه الزرقاء.
يستعرض المعرض والمؤتمر الدولي للمياه، إلى جانب الجلسات العلمية المحكمة (والتي شهدت قبول 104 ملخصات بحثية ومشاركة مؤسسات مثل “اليونسكو” و”الفاو” والمجلس العالمي للمياه)، حلولاً تقنية وتكنولوجية تمثل طوق نجاة للدول النامية في استخدامات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بإدخال تقنيات الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات الضخمة لتحديد احتياجات المحاصيل الزراعية بدقة، وتتبع التغيرات المناخية، ومراقبة جودة المياه، والتكامل بين الطاقة والمياه بالاعتماد على حلول الطاقة المزدوجة (الشمسية، الرياح، والطاقة الكهرومائية) لتشغيل محطات الضخ والمعالجة، وهو ما يعالج مشكلات نقص الطاقة في المناطق الريفية السودانية ويضمن استدامة المشاريع الزراعية، وبناء القدرات ودعم الشباب، حيث تتيح المسابقات المخصصة للشباب والباحثين (مثل أطروحة الثلاث دقائق وشباب المبتكرين) فرصاً واعدة للكوادر السودانية الشابة للانخراط في شبكات البحث والابتكار الدولية والحصول على الدعم الفني والمالي لمشروعاتهم.
إن تزامن أسبوع القاهرة للمياه مع اجتماع المجلس الوزاري العربي للمياه والمؤتمر العربي السابع، والتحضير للاستحقاقات الدولية القادمة (مثل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 والمنتدى العالمي للمياه الحادي عشر)، يضع السودان أمام فرص استثنائية لـجلب الاستثمارات والتمويل الأخضر، والاستفادة من استراتيجية مرفق المياه الأفريقي (2026–2030) ورؤية أفريقيا للمياه 2063 لجذب التمويلات الدولية المخصصة لمشروعات التكيف مع التغير المناخي والبنية التحتية للمياه، وتجسير الفجوة التنموية ببناء شراكات مائية ثنائية ومتعددة الأطراف قائمة على المنفعة المتبادلة وتكامل سلاسل الإمداد الغذائي بين دول الحوض والمنطقة العربية.
إن الأمن المائي للسودان ليس قضية محلية قائمة بذاتها، بل هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمان الإقليمي لحوض النيل والمنطقة العربية. ويقدم أسبوع القاهرة للمياه 2026 خارطة طريق متكاملة تنطلق من الالتزام القاطع بالقانون الدولي والتأكيد على حقوق الشعوب غير القابلة للتفاوض، وصولاً إلى تبني التقنيات الرقمية والاستغلال الأمثل للمياه الخضراء وحصاد الأمطار. إن اقتناص هذه الفرص وتفعيل الشراكات القائمة على مبدأ “ربح – ربح” هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل مائي آمن ومستدام للأجيال القادمة.