
ماء زمزم في سجن النساء… حين انتصرت الإنسانية على قسوة المكان بقلم: محمد عثمان الرضي
ماء زمزم في سجن النساء… حين انتصرت الإنسانية على قسوة المكان
بقلم: محمد عثمان الرضي
✦ في مشهد إنساني مؤثر امتزجت فيه معاني الإيمان بقيم التكافل والتراحم، شهد سجن النساء بمدينة بورتسودان زيارة استثنائية حملت الكثير من الرسائل والدلالات، وكان عنوانها الأبرز الوقوف إلى جانب الصحفية رشان أوشي في محنتها الحالية.
✦ بدأت تفاصيل ذلك اليوم عقب أداء صلاة الجمعة بمسجد كلية الهندسة بجامعة البحر الأحمر بمدينة بورتسودان، حيث خصص خطيب المسجد الشيخ يسلم حسن سعيد خطبته للحديث عن السحر وخطورة السحرة وضرورة التحصن بالإيمان واليقين والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي.
✦ وقد تركت الخطبة أثراً عميقاً في نفوس المصلين لما احتوته من معانٍ إيمانية وتوجيهات روحية عززت قيم الصبر والثبات والتوكل على الله في مواجهة الابتلاءات المختلفة.
✦ وبعد الفراغ من صلاة الجمعة مباشرة، كانت الوجهة نحو سجن النساء بمدينة بورتسودان لزيارة الزميلة الصحفية رشان أوشي، في خطوة هدفت إلى تقديم الدعم المعنوي والاطمئنان على أحوالها داخل السجن.
✦ وما إن وصلت إلى السجن حتى فوجئت بزيارة أخرى لا تقل أهمية وتأثيراً، تمثلت في حضور إمام وخطيب مسجد بورتسودان العتيق الشيخ أسامة ختم، يرافقه مدير الإعلام بمكتب والي ولاية البحر الأحمر الزميل مرتضى كرار.
✦ وجاءت الزيارة في توقيت لافت، إذ كان الشيخ أسامة ختم قد عاد لتوه من الأراضي المقدسة عقب أدائه فريضة الحج، ومع ذلك حرص على أن تكون أولى محطاته الإنسانية زيارة الصحفية رشان أوشي داخل سجن النساء.
✦ هذا الحرص عكس جانباً مهماً من رسالة العلماء والدعاة في المجتمع، وهي الوقوف إلى جانب الناس في أوقات الشدة والابتلاء، وتقديم الدعم النفسي والروحي لهم.
✦ ولم تكن الزيارة مجرد حضور عابر، بل حملت معها هدية ذات قيمة رمزية كبيرة، تمثلت في قوارير من ماء زمزم إلى جانب مسبحة فاخرة أهداها الشيخ أسامة لرشان أوشي.
✦ وقد أوضح الشيخ أن الهدف من هذه الهدية هو إعانتها على الذكر والتسبيح والاستغفار، باعتبارها من الوسائل التي تمنح الإنسان الطمأنينة والقوة في مواجهة المحن.
✦ وكان أكثر ما لفت انتباه الحاضرين تلك الكلمات المؤثرة التي قالها الشيخ أسامة ختم حين خاطب الزميلة رشان قائلاً: “ظاهر السجن محنة، ولكن باطنه منحة”، وهي عبارة حملت الكثير من المعاني الإيمانية العميقة.
✦ فالابتلاءات في حياة الإنسان قد تبدو قاسية في ظاهرها، لكنها قد تحمل في طياتها أبواباً واسعة من الخير والفرج والتمكين لا يدركها الإنسان إلا بعد مرور الزمن.
✦ وقد بدت علامات التأثر والفرح واضحة على وجه رشان أوشي لحظة تسلمها هدية ماء زمزم، إذ شعرت بأن هناك من يحيطها بالدعاء والمساندة والاهتمام رغم الظروف التي تمر بها.
✦ ولم تستطع الزميلة رشان إخفاء سعادتها بهذه اللفتة الكريمة التي جاءت من رجل دين عاد لتوه من أطهر بقاع الأرض، حاملاً معه دعوات الحجيج ونفحات الأماكن المقدسة.
✦ وعندما هممت بمغادرة السجن مودعاً الزميلة رشان، أصرت على أن يكون وداعها مختلفاً هذه المرة، فابتسمت وهي تقول: “ماء زمزم وداخل السجن كمان… يا لها من فرحة غامرة”.
✦ تلك العبارة البسيطة اختزلت حجم الأثر النفسي الكبير الذي أحدثته الزيارة في نفسها، وأكدت أن الكلمة الطيبة واللفتة الإنسانية قد تصنع فرقاً كبيراً في حياة الإنسان.
✦ واللافت أن رشان أوشي ربما كانت تلتقي للمرة الأولى بالشيخ أسامة ختم، الذي يشغل كذلك منصب نائب أمين أمانة الحج بولاية البحر الأحمر، وهو من الشخصيات المعروفة في مجال الدعوة والتعليم بمدينة بورتسودان.
✦ وبالنسبة لي شخصياً، فإن الشيخ أسامة ختم ليس مجرد داعية معروف، بل هو معلم قدير تشرفت بالتتلمذ على يديه خلال سنوات الدراسة بالمرحلة المتوسطة بمدينة بورتسودان.
✦ وتظل زيارات رجال الدين للمستشفيات والسجون ومراكز الإيواء ذات طبيعة خاصة وتأثير مختلف، لأنها تمنح الناس جرعات من الأمل والثقة وتذكرهم بقيم الرحمة والتراحم والتكافل.
✦ كما شهدت الزيارة حضور الأستاذ الصحفي الأمير جمال عنقرة، إلى جانب المدير الإقليمي لمؤسسة البصر الخيرية الأستاذ دالعاص، الذي ظل حريصاً على التردد المستمر على السجن ومتابعة أوضاع النزلاء.
✦ واختتمت الزيارة بمبادرة إنسانية نبيلة أعلن عنها الأستاذ دالعاص، تمثلت في تخصيص يوم علاجي مجاني كامل لنزلاء السجن، فضلاً عن التكفل بإجراء العمليات الجراحية مجاناً للحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي، في خطوة جسدت أسمى معاني المسؤولية المجتمعية والتكافل الإنساني، وأكدت أن أبواب الخير تظل مفتوحة حتى
في أكثر الأماكن قسوة ووحشة.