
محمد أحمد المأمون … الغياب المُر
الراحل زعيم وهبنا كبرياء التاريخ
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
لم أعرف مدينة خيم عليها الحزن وغطى سمائها الأسى ودمعت عيون أهلها مثلما حدث لمدينتي الحبيبة الأبيض حاضرة ولاية كردفان التي تتوسط السودان عندما بلغها نبأ رحيل الرجل القامة والمناضل الجسور وصاحب الأيادي البيضاء في كافة المجالات الإجتماعية والإنسانية والرياضية المغفور له بإذن الله الحبيب محمد أحمد المامون.
رغم الحزن ورغم الأسى ومرارة الفراق لا نملك إلا أن نقول “لله ما أعطى ولله ما أخذ” … فقد شكل غياب ود المأمون عن خريطة مجتمع الأبيض خاصة وكردفان عامة والسودان الوطن المكلوم فقداً بطعم المرارة، فالرجل القامة كان -عليه رحمه الله- مسكوناً بحب أهله وبلده وحب الإنسانية وعشق الإنسان في أي زاوية من زوايا الوطن المسكون بالفجيعة، فغياب ود المأمون هو غياب للبهجة والفرح عن عيون الوطن.
عرفته عن قرب صديقاً ودوداً وأخاً صادقاً وقلباً محباً لكل أهل الأبيض صغارهم قبل كبارهم، وكانت علاقته الحميمة مع شقيقي الأكبر الحاج عيسى هي البوابة التي سمحت لنا بولوج عالم ود المأمون المملوء بالشهامة والرجولة والزهد، فالرجل كان عالماً قائماً بذاته، أحبه كل من عرفه لدماثة خلقه ونبل أصله ومنبته ولم أرى الإبتسامة تغيب عن وجهه البشوش طيلة سنوات القهر التي عاشها الوطن خلال السنوات العجاف لحكم الإسلاميين بإسم الإنقاذ، الذين يدعون زوراً وبهتاناً أنهم جاؤوا لإنقاذنا أغرقونا في الوحل وفي القذارة وفي الفساد ودمروا الوطن بصورة ممنهجة وكأنهم مبعوثون لنا من الجحيم، وكان فقيدنا -طيب الله ثراه- واحداً من ضحاياهم الكثر، حتى تحول الوطن الواسع العريض إلى مسلخ تسكنه القذارة ويدفع الثمن الشرفاء الذين كانوا يواجهون الإهانات والإزدراء والإعتقال بإبتسامه صامته، فقد كانوا يروا أبعد مما نرى.
بكى على فقيدنا ود المأمون كثيرون وإمتلات الأسافير من كل بقاع العالم بكلمات الحزن والرثاء، فالذي غاب لم يكن رجلاً عادياً والكلمات وحدها لا تكفي وإن كانوا جميعهم سألوا الله أن يسكنه عالي الجنان وأن يغسله بالماء والثلج والبرد وأن ينقيه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأن يبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وأن يدخله الجنة ويعيذه من عذاب القبر.
الفقد ليس فقد الأهل في الربع الأول بمدينة الأبيض وليس فقد أهله وأبنائه وأشقائه فقط د. بابكر ود. عثمان ود. عمر وأبناء وبنات الراحل المقيم وليس فقد آل شبور وآل التماري وآل بانقا وآل سيد أحمد محمدين وأصدقائه ومعارفه وعارفي فضله، وإنما كان فقداً لقامة شاهقة علمت الناس معنى الحب والتسامح والتعايش في وسط مشحون بالأحقاد والضغائن والكراهية.
قال أحد الناعين أنه فقد جلل فقد عظيم رحيل القامة التاريخية صاحب المسيرة الحافلة والسيرة الناصعة والذاخرة بالعطاء الدؤوب في كافة المجالات الرياضية والسياسية والإجتماعية والإنسانية، فالراحل دائم الحركة والديناميكية يملك الوعي والإستنارة والبصيرة النافذة والرؤى الثاقبة وإنه -عليه رحمه الله- كان يتمتع بالكاريزما وسحر الجاذبية ويحتويك بسعة أفقه وإتساع مداركه ورزانته وحكمته، إنه زعيم وهبنا كبرياء التاريخ.
وأضاف عوض التوم (جولط) إن البركه في رفقاء دربه الذين هم على شاكلته خلقاً ونبلاً وعطاءاً وشموخاً وهم الحاج سليمان دقق والحاج عيسى وعمر الزين ود. فاتح قنبور.
بكلمات دامعة كتب التجاني محمد نور “أنه عندما يغادرنا من هذه الفانية أحد أحبابنا إلى دار البقاء ويشتد حزننا على رحيله إلا واستيقظنا من حزننا على أن ما عند الله له خيراً من ما عندنا فيكون ذلك خير عزاء لنا”.
في ثمانينيات القرن الماضي كتبت بصحيفة الأيام السودانية عن مدينتي تحت عنوان “المدينة التي تعيش الحرمان واللامبالاة” وإلتقاني ود المأمون كالعهد به باشاً هاشاً وقال لي “انك لم تكتبت تلك المقالات عن مدينة الأبيض بقلم جاف بل كنت تكتب بمشرح جراح” وقد أثارت تلك المقالات جدلاً واسعاً واتهم الراحلين عوض محمداني ومعاوية الفاتح النور واخي الحاج عيسى والصديق عمر الزين أنهم وراء تلك المقالات التي وصفوها بأنها “أعدت بليل من الذين اضيرت مصالحهم من الثورة” ويشهد ابن عمي خالد دوليب أن تلك المقالات لم يكن وراءها أحد وأن والدي عليه رحمه الله ليس من الذين اضيرت مصالحهم من الثوره حيث لم يكن يملك سوى “دكان بسوق أبوجهل”.
فقد محمد أحمد المأمون ليس بالأمر السهل أو الهين على أهل الأبيض الذين عرفوه عن قرب فالرجل في كل خطاه كان ينبت العشب الأخضر، وكان عليه رحمه الله كريماً و سخياً ومعطاءاً في أي موقع تبوأه في العمل العام لخدمة أهل المدينة التي أحبها بعمق وإخلاص ومات بعيداً عنها في القاهرة غير أن جثمانه عاد إلى “مقابر دليل” ليرقد تحت رحمه الله وسط أهله ومحبيه وعارفي فضله.
وقد نعته منظمة الأبيض الطوعية للتنمية والتعمير التي تقلد الفقيد رئاستها منذ نشأتها وقدم كل ما أملته عليه نفسه تجاه أهله ووطنه معتبره إياه من الشخصيات البارزة والأعلام الهامة في مجال الحركة الوطنية والرياضية والعمل العام، رحم الله محمد أحمد المأمون رحمة واسعة بقدر ما أعطى وأن يصبرنا على فراقه ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لله وإنا إليه راجعون.