الأعمدة

مريم الهندي تكتب ✍️ مقومات الدولة القوية

مريم الهندي تكتب ✍️

مقومات الدولة القوية

كثيرًا ما تساءلت وبحثت عن مفهوم الدولة القوية: ما هي مقوماتها؟ وما الذي يجعل دولة ما قادرة على حماية نفسها، وصون سيادتها، وتحقيق الأمن والكرامة لشعبها؟

 

وأعتقد أن هذا التساؤل قد آن أوانه، خصوصًا في ظل ما نمر به من صراعات داخلية مردوفة بعدوان خارجي متعدد الأطراف.

 

ولكن، قبل الإجابة عن هذا التساؤل المشروع، استرعى انتباهي تصريح لوزارة الخارجية والتنمية البريطانية بتاريخ 27 يونيو، لوزير شؤون الشرق الأوسط السيد هيمش فولكنر، خلال اجتماعه مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، حيث بحث دعم المملكة المتحدة للجيش اللبناني ودعم انتشاره في جنوب لبنان، وقال بوضوح:

 

«الجيش اللبناني هو القوة العسكرية الشرعية الوحيدة في لبنان».

 

وفي السياق ذاته، أكد المبعوث الأمريكي توم باراك أن حل قضية حزب الله يجب أن يكون بيد اللبنانيين، مشددًا على أن القوات المسلحة اللبنانية هي المؤسسة الشرعية الوحيدة.

 

هذا الخطاب الأمريكي ـ البريطاني بشأن شرعية الدول وجيوشها وعدم الاعتراف بالمليشيات يقودني إلى واحدة من المفارقات الغريبة في السياسة الدولية.

 

فالمراقب للسياسة الدولية يجد أن الولايات المتحدة وبريطانيا تتحدثان بوضوح عن الجيش في لبنان وسوريا باعتباره القوة الشرعية المعترف بها، وعن ضرورة حصر السلاح في مؤسسات الدولة، وعدم الاعتراف بالمليشيات كبديل عن مؤسساتها.

 

بل إن المفارقة تزداد حين نضع ذلك في مقابل الخطاب المتعلق بالسودان.

 

فعندما يُتحدث عن السودان، تختفي فجأة تلك القاعدة؛ فيتحول الجيش، الذي يفترض أن يمثل المؤسسة العسكرية الوطنية، إلى «طرف في نزاع»، بينما يُغض الطرف عن الجماعة المسلحة التي تتهمها تقارير وشهادات عديدة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين وعمليات تهجير وتطهير عرقي.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

 

هل هذه المعايير ثابتة فعلًا في السياسة الدولية، أم أنها تُستخدم بصورة انتقائية وفقًا للمصالح والأهداف السياسية؟

 

وهذا تحديدًا ما دفعني إلى العودة إلى السؤال الأكبر:

 

ما مقومات الدولة القوية؟

 

قبل أن نسأل كيف نحمي الدولة السودانية، علينا أولًا أن نسأل أنفسنا:

 

أولًا: لمصلحة من قتل وتهجير وتحطيم الدولة السودانية؟

 

ثانيًا: هل كنا أصلًا دولة قوية حتى يكون الهدف هو تحطيمها عبر إشعال الحرب وإضعاف الجيش؟

 

ثالثًا: كيف نصنع دولة قوية يستحيل تحطيمها؟ وما هي مقومات هذه الدولة؟

 

هذه المفارقات، وتلك الأسئلة، دفعتني إلى البحث بصورة أعمق في مفهوم الدولة القوية، خصوصًا ونحن نتجه نحو حوار سوداني يمكن أن يسهم في تشكيل معالم دولتنا الحديثة.

 

وعليه، واستنادًا إلى ما سبق، فإن الدولة القوية ليست فقط الدولة التي تمتلك جيشًا كبيرًا.

 

قوة الجيش عنصر أساسي، لكنها ليست العنصر الوحيد.

 

فالدولة القوية هي الدولة القادرة على تحقيق أمن مواطنيها، وتوفير حياة كريمة لهم، وحماية سيادتها ومؤسساتها، وفي الوقت ذاته امتلاك القدرة على صناعة التأثير الإقليمي والدولي.

 

ومن هنا، أرى أن مقومات الدولة القوية يمكن أن تقوم على خمسة محاور أساسية، تأتي القوة العسكرية في مقدمتها، لكنها لا تنفصل عن بقية عناصر القوة.

 

 

أولًا: المقومات السياسية

 

وتتمثل في الشرعية والحكم الرشيد، من خلال مؤسسات سياسية مستقرة، وانتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للسلطة، واحترام الدستور والقانون.

 

1. مؤسسات قوية ومستقلة

 

لا يمكن بناء دولة قوية دون مؤسسات دولة قوية.

 

وفي مقدمة ذلك:

 

– قضاء عادل ومستقل.

– برلمان فاعل.

– أجهزة رقابية ومحاسبية متنوعة وفعالة.

– مؤسسات قادرة على مكافحة الفساد وحماية المال العام.

– مؤسسات أمنية واقتصادية تعمل وفق القانون وتحمي مصالح الدولة.

 

2. الاستقرار والأمن الداخلي

 

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال احتكار الدولة للسلاح، وإنهاء النزاعات المسلحة، وبسط سيادة القانون على جميع أراضي الدولة.

 

فلا يمكن أن تكون هناك دولة قوية بينما توجد داخل حدودها قوى مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة.

 

 

ثانيًا: المقومات الاقتصادية

 

لا توجد دولة قوية بلا اقتصاد قوي.

 

والاقتصاد القوي ليس مجرد امتلاك الموارد، وإنما القدرة على إدارة الموارد وتحويلها إلى إنتاج وقيمة مضافة ورفاه للمواطن.

 

1. اقتصاد منتج ومتنوع

 

اقتصاد لا يعتمد على مورد واحد، وإنما يقوم على قطاعات متعددة، مثل:

 

الزراعة، الصناعة، التعدين، الخدمات، التكنولوجيا، والثروة الحيوانية وغيرها.

 

والتنويع الاقتصادي يحمي الدولة من الصدمات ويمنحها قدرة أكبر على الاستقلال في اتخاذ القرار.

 

2. بنية تحتية قوية

 

وتشمل:

 

– الطرق والجسور.

– الكهرباء.

– الموانئ.

– الاتصالات والإنترنت.

– التعليم.

– الصحة.

– شبكات النقل والخدمات الأساسية.

 

فالبنية التحتية ليست رفاهية، وإنما جزء من الأمن القومي للدولة.

 

3. احتياطي مالي وسيادة نقدية

 

تحتاج الدولة إلى عملة مستقرة، ونظام مصرفي قوي، واحتياطي نقدي مناسب، وقدرة على جذب الاستثمار.

 

وهنا تبرز أهمية توطين عمليات تصفية الذهب وزيادة القيمة المضافة للموارد المحلية، وتنويع قنوات التعامل بالعملات الأجنبية، وتطوير القطاع المصرفي بما يخدم الاقتصاد الوطني.

 

 

ثالثًا: المقومات الاجتماعية والبشرية

 

قد تمتلك الدولة الموارد والجيش، لكنها تظل ضعيفة إذا كان مجتمعها مفككًا.

 

1. رأس مال بشري قوي

 

وذلك من خلال:

 

– تعليم جيد.

– نظام صحي فعال.

– البحث العلمي.

– التدريب والتأهيل المهني.

– الاستثمار في الشباب.

 

فالثروة الحقيقية للدولة ليست فقط ما يوجد تحت الأرض، وإنما العقول التي تستطيع إدارة ما فوق الأرض وما تحتها.

 

2. التماسك الاجتماعي

 

ويتحقق من خلال:

 

أ. رتق النسيج المجتمعي.

 

ب. مصالحة وطنية شاملة.

 

ج. تأسيس عقد اجتماعي قائم على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

 

د. نبذ القبلية والجهوية عندما تتحولان إلى أدوات للانقسام السياسي والاجتماعي.

 

هـ. تعزيز الثقة بين الشعب والدولة.

 

وهنا نحتاج إلى فتح نافذة حقيقية بين الراعي والرعية، بحيث يشعر المواطن أن الدولة موجودة لخدمته وحمايته، وأنه شريك في بنائها وليس مجرد متلقٍ لقراراتها.

 

3. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة

 

نحتاج إلى ترسيخ مفهوم:

 

دولة الحق والواجب، والمواطنة، والمسؤولية الوطنية والمجتمعية.

 

دولة يشعر فيها السوداني، أينما كان، أن انتماءه الأول هو للسودان، وأن اختلاف القبيلة أو الجهة أو المنطقة لا ينتقص من حقوقه ولا من واجباته تجاه وطنه.

 

 

رابعًا: المقومات العسكرية والأمنية

 

وهنا نصل إلى أحد أهم أعمدة الدولة القوية.

 

1. جيش وطني واحد

 

لا بد من ترسيخ مبدأ أن للدولة جيشًا وطنيًا واحدًا، معترفًا به، يخضع للدولة والقانون.

 

وتتمثل مهمته الأساسية في:

 

– حماية حدود الدولة.

– الدفاع عن سيادتها.

– التصدي لأي عدوان خارجي.

– حماية الدولة ومؤسساتها الدستورية وفق القانون.

 

والدولة المدنية القوية لا تتناقض مع الجيش القوي؛ بل إن العلاقة بينهما تكاملية.

 

فالدولة تحتاج إلى جيش قوي يحمي سيادتها، والجيش يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات شرعية توفر له الغطاء القانوني والسياسي لأداء مهمته الوطنية.

 

2. أجهزة أمن واستخبارات قوية

 

تحتاج الدولة إلى أجهزة أمن واستخبارات محترفة وقوية تعمل وفق القانون، وتتمثل مهامها في:

 

– حفظ الأمن الداخلي.

– مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

– حماية المعلومات والأمن القومي.

– مواجهة التهديدات الخارجية.

– حماية الدولة من الاختراقات ومحاولات زعزعة الاستقرار.

 

 

خامسًا: المقومات الخارجية

 

قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه داخل حدودها، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة علاقاتها مع العالم.

 

1. علاقات دولية متوازنة

 

وذلك عبر:

 

– دبلوماسية قوية.

– علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.

– بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة.

– الحفاظ على استقلال القرار الوطني.

 

الدولة القوية ليست الدولة التي تعادي العالم، وليست التي ترهن قرارها للخارج؛ وإنما هي الدولة التي تعرف كيف تدير علاقاتها الدولية بما يحفظ مصالحها وسيادتها.

 

2. القوة الناعمة

 

وتشمل:

 

الثقافة، والإعلام، والتعليم، والاقتصاد، والفنون، والتاريخ، والهوية الوطنية.

 

فهذه الأدوات تستطيع أن تمنح الدولة حضورًا وتأثيرًا يتجاوز حدود قوتها العسكرية والاقتصادية.

 

والدولة التي تمتلك قوة ناعمة مؤثرة تستطيع أن تجعل الآخرين يحترمونها، ويحسبون حساب مصالحها، ويتعاملون معها باعتبارها دولة ذات وزن.

 

 

الخلاصة

 

إن القوة الحقيقية للدولة ليست في الجيش وحده، ولا في الاقتصاد وحده، ولا في كثرة الموارد.

 

القوة الحقيقية هي منظومة متكاملة:

 

استقرار سياسي

 

+ اقتصاد قوي ومنتج

+ جيش وطني يحمي السيادة

+ شعب متعلم ومتماسك

+ مؤسسات قوية

+ علاقات خارجية متوازنة

= دولة قوية يصعب كسرها أو ابتزازها.

 

ومن هنا، فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط في الانتصار في حرب، وإنما في بناء دولة لا تستطيع الحروب إسقاطها، ولا تستطيع المليشيات اختطافها، ولا تستطيع الضغوط الخارجية ابتزازها.

 

فإذا أردنا سودانًا قويًا، فعلينا ألا نكتفي بإعادة بناء ما هدمته الحرب، بل علينا أن نبني دولة أقوى من السودان الذي كان قبل الحرب.

 

دولة يحميها جيش وطني قوي، وتسندها مؤسسات قوية، ويصونها اقتصاد منتج، ويحمي تماسكها شعب واعٍ، وتدافع عن مصالحها دبلوماسية تعرف قيمة السودان.

 

فالدولة القوية لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى بتكامل كل عناصر القوة.

 

مودتي واحترامي،

 

م/ مريم الهندي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى