
مشاهد في سيرة المكان المديني
بقلم :حسن موسى
(نشر هذا النص قبل سنوات في كتاب اصدرته دار “دال” ضمن سلسلة عن ذاكرة الخواضر السودانية.)
سـنك ريال جيـد ودقـاقـها مـو بليد
أني ماشة بنعيد في ســوق الأبيض
أغنية كردفانية
1
” عيال الشويحات”
حين وصل خط السكة الحديدية للأبيض ، ضاقت بعض حواضر كردفان بأهلها الذين قصدوا الأبيض و صعـّدوها في حوالي ثلاثة عقود لمقام أهم حواضر غرب السودان في ستينات القرن العشرين.و قد أوجدتني ملابسات تنظيم الحياة في تقاطعات التاريخ العائلي مع التاريخ الإجتماعي ـ و أنا في الخامسة ـ ضمن الوافدين الذين عمروا شعاب هذه المدينة السحرية.أقول ” المدينة السحرية” لأن الأبيض نمت بسرعة كما ينمو المراهق الذي يتحسس هويته الوجودية يوميا و يعرّفها على تقلـّبات الروح و الجسد .
لغاية مطلع الستينات كان جسد المدينة يتطور نحو النضج داخل حركة الإعمار الحديث المتطلع لإستيعاب الوافدين الجدد، لا من أرياف كردفان فحسب و إنما من أرياف الدنيا بحالها: مصريون و شوام و أرمن و هوسا و أثيوبيون و كنغوليون و هنود يوغنديين و مغاربة و أغاريق و أتراك وسّعوا رقعة الإمتدادات الجديدة بالقش و بالطين و الطوب و الخرصانة المسلحة بجاه رأس المال المنسوب للوطن. و مع اتساع شبكة خدمات مياه الشرب و خدمات الكهرباء و التوسع في الإتصالات و التعليم و الصحة كان جسم المدينة يرسم ملامحه الحديثة بثقة وهو يتخلص من علامات الحياة الريفية البائدة فكأنك تشهد نبتة سريعة النمو تتخلق و تثمر امام ناظريك.
وصلت أسرتنا لمدينة الأبيض، من النهود ،في منتصف الخمسينيات ، و في هذه المدينة ذات الدروب المستقيمة ، كنا نسكن في تقاطع “شارع سوار الدهب” الذي يشطر المدينة من أقصى جنوبها عند ستاد “دار الرياضة” لأقصى شمالها حيث “فريق الفلاتة” ، و شارع “الناظر صبر”، الذي هو خور موسمي يصرف مياه الخريف من أعلى المدينة شرقا، حيث مستودعات البترول و محطة السكة الحديديةلأسفلها غربا في “فولة الفلاتة” و فضاء ” الخطوة”، و هي أرض خلاء فيها ” الأبيار” التي يسقي منها الرعاة الرحل بهائمهم حين يعبرون المدينة. كان الشارع الرسمي ينتهي في ” الخطوة” لكن الشارع ” الأهلي” يواصل لغاية حي ” ود الياس” و” الميرم ” و فلسطين”.و من حيث نسكن كنا نشهد حركة القطعان تعبر في الإتجاهين بين ” الأبيار” و محطة السكة حديد ، كما كنا نشهد حركة السكان في كل الإتجاهات.و في الأعياد و المناسبات الحكومية كانت ” طوابير الزفة”، ” زفة شباب الأنصار” و “زفة شباب الختمية” ، تمر أمام باب بيتنا ،أما طابور “زفة الحكومة” فقد كان أكثرها تشويقا حيث تتقدمه فرقة الموسيقى العسكرية تستعرض بأس الحكومة في ذروة مشهدية تختم العرض في “ميدان الحرية” بـ ” التاتو” ، و هي رقصة حربية عرف بها هجانة “القيادة الوسطى” ،فيقفزون شاهري السلاح و يستديرون و هم يصرخون و يخلصون إلى طرح الخصم الوهمي أرضا و طعنه والإجهاز عليه برصاصة حقيقية تطلق على الأرض، قبل أن يستدير جمعهم في خطو منتظم فيغادرون المسرح المغبر وسط اعجاب الجمهور.
لكني ـ بين كل هذه المشاهد ـ لا أنسى أبدا ” زفة” غريبة في نوعها، هي زفة ” عيال الشويحات” من قناصة الخميس. كان مشهد رماة السفاريق من” فريق الشويحات ” و هم يعبرون حيّنا، عند عصر كل خميس، من المشاهد التي سحرت يفاعتي و استبدّت بخاطري زمنا، ربما لأن المشهد كان ينطوي على بعد مسرحي بدائي يبدأ مع صوت” القرن” المبحوح، بعيد الغداء، كمن يذكـّر أهل المدينة ، الذين يغطـّون في قيلولتهم، بهذا المعنى المنسي من معاني البداوة فيهم.ثم يلتئم جمع “القناصة” المتحرك ناحية الخلاء، بعد خط السكة الحديدية، على طريق “خورطقت ” الذي كنا نتصوره في ذلك الوقت كما ” أرض التنين” العامرة بالمهالك. كان رسامو الخرائط في العصر الإنطيقي يطلقون عبارة ” أرض التنين” على الأرض المجهولة التي لم يتم استكشافها أو التي لم يرجع منها أحد . كنا نترقبهم و هم يتقاطرون في الشارع الرئيسي، تتبعهم كلابهم الكبيرة، وعليهم السفاريق أشكالا و أنواعا و في الأذرع سكاكين طويلة ظاهرة تحت الأكمام البالية . كنا نتبع موكبهم في جزل وسط الخور الكبير حتى تخوم “إشلاق البوليس الشرقي ” الذي كان يحد المدينة عند خط السكة حديد.. كانت زينتهم الغريبة من حجبات و خرز و ودع و مناقير و مخالب وطلاسم مغلفة بجلود حيوانات،كانت تحيا حياتها الخاصة حين تتحرك السواعد في حماس المناقشة حول تقنيات رمي السفروق و حوادثه. كانت زفة رماة الشويحات تظهر في شارعنا عصر كل خميس و لم نكن ندري من أين يخرجون و لم يكن أحد يقابلهم في شوارع المدينة التي كنا نعرفها، فقد كان “فريق الشويحات” في خيالنا كوكبا بعيدا خارج طائلة جغرافيتنا الطفلة . لكنهم كانوا يعبرون حينا في خروجهم للقنص و عند عودتهم في نهاية الأمسية كنا نلحظ فيهم من يحمل حصيلة القنص واحدا أو اثنين من تلك الأرانب البرية ذات اللون الترابي المدمّم يجـلـّلها انتصار الثقافة على الطبيعة..
2
“سوق الكلام”
كنا نسكن في ” فريق الحُضور” على مسافة معقولة من السوق الكبير.و كنا نعرفه بـ”السوق الكبير” لأن المدينة كانت عامرة بأسواقها الصغيرة مثل” سوق ابوجهل”شرقا و “سوق ود عكيفة”غربا و” سوق فريق فلاتة”شمالا.. هذا السوق الكبير كان محور سنوات طفولتي قبل ان تستوعبني المدرسة. و هو في الحقيقة أكثر من مجرد مكان للتجارة.فقد كان أدخل في نوع المكان المسرحي بصراعاته المركبة المتشعبة و بشخوصه و جملة مؤثراته الدرامية البالغة التنويع. في مركز السوق كان ” الجامع الكبير” مبنى من الحجر الوردي المجلوب من بلاد بعيدة، أكثر علوا من مباني السوق بمئذنتين و بصالة واسعة عليها شبابيك مزينة بالزجاج الملون و منبر من الخشب البني المشغول بالنقوش و زخارف العربسك المحفورة بعناية شرقية غريبة على طرز الصناعة الحرفية المحلية.كان الجامع الكبير ينتصب بهيئته الغريبة كأحد مواريث العمارة العثمانية مثله مثل ” المديرية” أو ” المدرسة الأميرية ” ،مزيج غريب من كيمياء السلطة السياسية المركوزة بقداسة اللغة و بخور التقوى و عبير المراكيب المبلولة بماء الوضوء.
,كان أبي يعمل في تجارة المواشي و هي تجارة غريبة لا يبدو منها شيء للعيان. و كان دكانه خاليا إلا من مكتب عليه هاتف أسود و دفاتر و جنبه خزنة حديدية. و في برندة الدكان كان هناك عنقريب و بضعة كراسي تحتلها عصابةالأصدقاء النظاميين الذين كانوا يعمرون الدكان بونساتهم و ضحكاتهم الداوية بين صلاتي المغرب و العشاء.. كم كنت أود لو كان لأبي دكان من تلك الدكاكين المعرض التي تعرض بضائعها و روائحها و ألوانها و تحرض المارة على الدخول و الشراء بدلا من هذا المكان الفارغ إلا من بضاعة الكلام.كان أبي رجلا أميا لم يكسب من رزق الكتابة سوى تلك القدرة على توقيع اسمه ببطء في رسم سلس تختفي فيه دوائر الميم في ” محمد” و ” موسى”لمجرد اقواس مفتوحة تمنح التوقيع صورة الأمواج المتلاحقة.لكنه لم يكن بحاجة للكتابة، كانت تلك مهمة كاتبه و كاتم أسراره: أحمد نمر،الذي تحول مع مرور السنوات لأحد أفراد الأسرة الممتدة.و أظن أن أبي استغنى عن الكتابة بالكلام. كنت أظن أن الكلام هو حرفتة الرئيسية لأني كنت أرقبه ، طيلة اليوم، يتكلم،أحيانا في تلفونه الاسود السحري ، الذي يطوي المسافات بين بورتسودان و أمدرمان و النهود و نيالا و الجنينة، أو هو يواصل الكلام مع كل من يمر بدكانه،فتعلو نبرة صوته أو تنخفض و ينفعل غاضبا أو ضاحكا أو مستعجبا ،حسب موضوع البضاعة الخفية التي كنت أراها في عين الخيال .كانت المواشي، أو ” البقر” في مصطلح الحرفة،كانت تبقى خارج المدينة في الفضاء الواقع وراء محطة السكة الحديد، حين تصل الأبيض قاطعة فيافي جنوب دارفور و كردفان فيعج الدكان و يضج بمناقشات “الرعاوية” و حكاويهم عن رحلتهم في رفقة المرحان: كم بهيمة مرضت و كم اخرى فقدت أو افترسها “الباحش”. في دكان الكلام المتصل كنت ألزم الصمت و أسمع و أسمع بالساعات فأفهم أشياء و تغيب علي أشياء. و أظنني تعلمت مغالبة الملل بالرسم على كراتين التغليف المتوفرة في الدكان.لم أكن ارسم تلك الأشياء التي رأيت اخوتي الأكبر يصنعونها في المدرسة، من نوع ” المناظر الطبيعية ” أو ” الأزهار” و ” الطيور” أو حتى ” الأبطال” الخارجين من تصاوير السينما. كنت أرسم المتاع الموجود أمامي مباشرة.الإبريق المعدني ، الكرسي،الأحذية، الشخص النائم قربي على عنقريب الدكان، براد الشاي و أمامه كوز الماء إلخ..كنت أجد في الرسم وسيلة ناجعة للإنعزال مع نفسي وسط دغل الكلام الكثيف المتواصل، و كانت صناعتي تلقى انتباها مفاجئا من أهل الكلام فيستحسنون ما اصنع قبل أن يستأنفوا صناعتهم، و أظن أن هذا الإستحسان العفوي هو الذي شجعني على التمادي في غواية الرسم لاحقا.
3
مربع الميثولوجيا الإغريقية:
اختار أبي لدكانه موقعا مركزيا في مربع صغير بين الجامع و “أُميّة” الكهرباء، و هي الموضع الذي تتفرع منه اسلاك التيار الكهربائي لتضيئ أنحاء المدينة. مبنى حديث مكعب من الحجر و الطوب الأحمر يحيط به سور من السلك الشائك تدعمه بضعة من شجيرات السيسبان.و رغم أن إدارة البلدية وضعت لافتة حديدية مكتوب عليها ” ممنوع البول هنا” إلا أن أهل السوق تعودوا على قطع الجمار عند سور الأمية قبل الوضوء،. بعد أمية الكهرباء تمتد ساحة كانت موقفا للتاكسي وبصات الأحياء المستبعدة . هذه الساحة كانت تتحول بعد صلاة الجمعة مسرحا لـ “الطاهر ود اب صفية” الدلال، و هو رجل حاضر البديهة من جنس المسرحيين الفطريين ، ينصب مزاده كما مسرح الرجل الواحد فيبيع المتاع القديم و يسحر الجميع بقفشاته اللاذعة.و كنت ترى الناس يتحلقون حوله تجذبهم الموهبة المشهدية العالية للرجل فيبيعون و يشترون في لقيـّات البلاغة المشهدية بغير حساب .في الركن الشمالي الشرقي لساحة “أمية النور” كان هناك كشك عبد الله محمد بابكر الشيوعي الماوي الذي يبيع كتب “دار التقدم” بأسعار لا تقبل أي منافسة من وراقي المدينة و لا من أي كائن آخر. فكنت أجد عنده ” الصين المصورة” بقرش واحد و أنعم بتصاويرها الملونة التي تعرض على صفحتين كاملتين مشاهد من “أوبرا بكين” عامرة بمئات المغنين و الراقصين الذين يرفعون الكتاب الأحمر عاليا و يحكون مأثرة الجيش الأحمر العظيمة: ” الإستيلاء على جبل النمر بدهاء”.كان عبد الله يمنح هدية العدد مجانا :مرة صورة تمثل ” المسيرة العظمى يتقدمها الرئيس ” ماو”، و مرة اسطوانة حمراء من البلاستيك اللين زعموا أنك إن اجريتها على جهاز” فونوغراف” لسمعتها. و من اين لنا الفونوغراف في عاصمة الصحراء التي تسمي نفسها “عروس الرمال” حتى نسمع مغنيي “أوبرا بكين”؟ . كانت مجلة “الصين المصورة” تنقل لي خبرة أجيال الرسامين الصينيين الأماجد و كنت أقضي الساعات محاولا نسخ تصاويرهم المشحونة بكنوز الفنون الشرقية و قد يدفعني شغفي الغرافيكي الطفل لنسخ الكتابة الصينية داخل التصاوير وسط دهشة جمهوري السوقي محدود النظر..
لو عبرت الساحة شرقا ، و أنت لا بد فاعل، فستجد نفسك في قلب المدينة النابض على إيقاع الحداثة،بل قل هو أحصن الحصون في عمارة الحداثة الحضرية المتفاقمة بلا منهج في هذه الحاضرة المرمية عند تخوم الصحراء الكبرى.في هذا المربع حلواني و مقهى ” جروبي” الذي كان بالنسبة لنا بمثابة قدس اقداس الحلويات الشرقية من كنافة و باسطة و بسبوسة مثلما كان فردوس المشروبات المصنوعة من الفواكه المخلوطة في خلاط كهربائي له صرير شنيع تستعذبه أذن العطشان في قيظ الظهيرة. كنت تجلس على طاولة و فيطوف عليك الجرسونات ، كما الولدان المخلدون فـ ” تطلب” ما شاء لك و تشرب و تأكل هنيئا في هذه الجنة المرتجلة في عز السافنا الفقيرة. على ميمنة من ” حلواني جروبي” ” مخازن أبو تلاتة نجوم “، متجر واسع يديره رجل من سلالة ابطال الميثولوجيا اليونانية ،فيه كل غرائب الموجودات و عجائب المخلوقات مما لذ و طاب من المشروبات الغازية المسيلة للدموع للمشروبات الكحولية المستوردة لأنواع الأطعمة المتوسطية التي تفوح منها روائح الجبنة و البسطرمة و الفانيليا و روائح أخرى لا تشبه روائح الطعام الذي تعودنا عليه ، جنبا لجنب مع انواع النعال و الملابس و الآلات الموسيقية و أجهزة الترتنسستور.على ميسرة من “جروبي”كانت صيدلية المدينة القديمة تحتل ناصية المربع الميثولوجي و يديرها ” جورجياديس”، صيدلي اغريقي آخر من سلالة ” ابوقراط”، كان يبيع الدواء و لا يستنكف عن إكرام المرضى بنصائح طبية تغنيهم عن زيارة الأطباء. و لو تابعت مسيرك وراء صيدلية “جورجيادس” فستجد نفسك في ” حلواني لوكس” الذي كان المنافس الرئيسي لـ “جروبي” .وقبالة” لوكس” حلواني الخواجة ” ينّي” الذي اشتهر بصناعة الآيس كريم في ماكينة خلاطة ضخمة هي هجين بين المنجنيق و القاطرة البخارية.كل هؤلاء الأغاريق الأماجد تضامنوا على صيانة اسباب الحداثة و عاندوا قدر البداوة الغاشمة بذكاء و حكمة ثم انسحبوا بهدوء من عالم المدينة. أين هم اليوم؟
4
هوليود عروس الرمال
كل هذا العالم الذي يمور بآيات الحياة الحديثة كون و ” سينما كردفان” التي لصق حلواني” لوكس” كون آخر، و أي كون؟ حوش كبير في شماله صالة البروجكتر و في جنوبه حائط اسمنتي ابيض، [ حوالي 20متر في عشرة أمتار ]، هو المسرح الذي تدور فيه حوادث و أقدار ابطال الشاشة السحرية الغشاشة. على هذا الحائط تعرفت على جملة انتاج سينما القرن العشرين. كانت السينما مدرسة مهمة في تأسيس خبرتي بمشاهدة الصور بطريقة حرة ما كنت لأجدها في اي مدرسة نظامية.وقد وجدت في شعاب تصاويرها المتحركة المتداخلة المتنوعة الواسعة الشاسعة مقاما مضيافا عامرا بالدروس الجمالية و السياسية النافعة. كنت أزور سينما كردفان، و لاحقا سينما ” عروس الرمال”، و أنا طفل، برفقة أخوتي الأكبر، بشكل شبه يومي، و حين لا تتاح لي فرصة مشاهدة الفيلم كنت استغني عنه بواحدة من تلك الروايات الشفاهية التي يحذقها “هجو الكنزي”، ابن خالتي “سليمة”، الذي كان من أفضل رواة الأفلام في المدينة، و لا عجب فهجو كان يحفظ الفيلم في ذاكرة بصرية و سمعية و أدبية جبارة تجعله في مقدمة السينمائيين الشفاهيين في الكون.و حين يبدأ “هجو” في سرد الفيلم فهو يختفي في ثانية و يحل جسمه بطل الفيلم، فيسحرك بقدرته على تقمص كل الشخصيات من “بيلي ذا كيد” لـ ” شمسون الجبار” لـ محمود المليجي، بكفاءة عالية تجعل سامعيه يحيون أحداث القصة وسط ديكور الفيلم فيسمعون مؤثراته الصوتية و يشاهدون تصاويره بطريقة لا يطالها أي شك.و اي شك في موهبة هذا الصبي العارف بلسان الكاوبوي و طلاسم رطانة الآباشي و السيوكس و زنج إفريقيا المتربصين بطرزان في ظلمة الأدغال، مثلما كان عارفا بغناء و رقص اهل الهند الشرقية ؟. كان هجو فينا رئيسا لعصابة عجيبة انعقدت علائق اعضائها على غرام هذه “الشاشة الغشاشة” التي تبذل الغش في أمانة مفهومية نادرة. مرة كنا نتبع هجو في واحدة من جولاتنا الإستكشافية وسط المدينة فتأنينا عند مدخل “سينما كردفان” نتأمل في ملصّقات الأفلام المعروضة في الواجهة و نتبادل الآراء في المعاني المبثوثة في هذا المعرض المتغير كل يوم . كان مقصدنا ” كوشة البوسطة” جنوب مربّع السينما، حيث تنتظرنا نفايات السينما و نفايات مغلق “شركة مباني كردفان” و مكتب البوستة و “بنك مصر” و “ستوديو كردفان”و ” ستوديو عروس الرمال” للتصوير الفتوغرافي. باختصار كانت ” كوشة البوسطة”، كما كنا نعرفها، بمثابة “مغارة الكنز” لأننا كنا نجد فيها “سكراب” الخشب و الكرتون و الزجاج و الاسلاك من وارد شركة المباني مثلما كنا نجد فيها بعض اشرطة الأفلام السينمائية و الصور الفتوغرافية السلبية و أشتات ما انزل الله بها من سلطان كنا نستعين بها في صناعة عربات السلوك و المسدسات و غير ذلك من منتجات الخيال البريء. فجأة توقف هجو تحت أحد نوافذ ” لكوندة كردفان” التي كانت وراء حوش السينما و تعلق بحافة النافذة و رفع جسده ليتمكن من رؤية ما وراء النافذة. و حين هبط لمعت عيناه و هو يحثنا على الصمت. همس لنا هجو بأن نختلس الرؤية بحذر.وضعنا حجرا أمام النافذة و صعدنا عليه الواحد تلو الآخر. كان مشهدا غريبا ، ثلاثة خواجات عراة الصدور نائمين على الأسرة و قد صرعهم كفاح الشمس و الغبار فرقدوا كما شهداء” أوكي كورال “و ما انتبهوا لتلصصنا الطفل. قال هجو هامسا ” ديل الممثلين نايمين بالنهار و في الليل يقوموا يشتغلوا !”. للحظة انتقلت ” لكوندة كردفان” في خيالنا لمصاف تلك النزل السحرية الملحقة بـال ” صالون” في مدن الـ “ويسترن” المغبرة. و لم يراودنا شك في أن “آلان لاد” و” جاك بالانص” [ شين] أو غاري كوبر و بيرت لانكستر [فيراكروز ]روبرت ميتشام و ماريلين مونرو[ نهر بلا عودة ] او كيرك دوغلاس و روك هدسون[ الغروب الأخير] قد تمددوا يوما و ناموا قيلولتهم على أسرة ” لكوندة كردفان”.
5
مغامرات ” أرض التنين”
حين نعود من ” كوشة البوسطة”، و ملء جيوبنا الغنائم النادرة كنا نمر أمام محل شاعر الحقيبة المعروف محمد علي “الأمّي” الذي باع لأبي حماره الأبيض الكبير. في شهر رمضان، كان أبي يردف شقيقي معتصم على الحمار حتى البيت لكي يتولى معتصم إعادة الحمار للدكان حتى يستخدمه أحمد نمر” الكاتب” في الوصول لمنزله في حي ” ود الياس”. لكننا، معتصم و أنا، كنا رتبنا أمورنا بحيث نتلاقى عند مدخل السوق، في ناصية بيت ” كرياكو “[ و هو إغريقي آخر من سلالة أبطال الميثولوجيا الكردفانية، اخترع له اهل المدينة القولة الشهيرة ” شدّة كرياكي الصيف و خريف لابس كاكي”]،و من هناك نعرج على عبد الرحمن زروق في ” فريق الموظفين” وراء المستشفى، قبل أن نهرب في ” أرض التنين” الواقعة في ما وراء دار الرياضة، بين ” مكتب البيطرة”[ البطري] و “فولة المديرية” و” كتدرائية الكاثوليك” التي كانت تحت الإنشاء في مطلع الستينيات ،في الفضاء الواقع شرق ” ميدان الحرية”. كان بناء الكتدرائية الغريب شاهق العلو بحجارته المقطوعة في الرخام الأحمر و الأبيض المجلوب من إيطاليا، و كنا تعودنا أن نمر أمامه و في الخاطر رهبة تقريبية من شيء ممنوع غامض.كانت فكرة الدخول للكتدرائية من نزوات ” معتصم” لأنه سمع عن تصاوير غريبة رسمها الإيطاليون على جدران الكتدرائية. نزلنا وربطنا الحمار على شجرة عند البوابة المفتوحة. و دخلنا بخطو متردد داخل الحوش الذي تراكمت فيه مواد البناء.داخل الصالة العالية كان هناك بنـّاء إيطالي على سقالة خشبية عالية و هو منهمك في معالجة جدارية كبيرة من الفسيفساء الملونة.و على قبة المذبح بدت لنا تصاوير ضخمة ملونة تمثل القديسين و الملائكة على وجوهها تقوى نصرانية وادعة
. ” ما تمشوا تحت السقالة يا ولد!”
التفتنا نحو مصدر الصوت في وجل فرأينا قسا في زي أبيض يشبه القفطان يبتسم
” عجبتكم الصور؟” .
صمتنا من المفاجأة و اكتفينا بهز رؤوسنا بالإيجاب.
” بعد شهر كله حيخلص، بعدين تجو تشوفوا الصور كاملة، إنتوا عيال منو؟”. قلت ” أنحنا عيال محمد موسى الخير” و لكزني معتصم بكوعه لكزة لم أفهم معناها.
ضحك الرجل” إنتو عيال ود موسى؟ هاكم دا”
و انحنى على صندوق خشبي و أخرج منه ملء قبضتيه قطعا من حجارة الفسيفساء الملونة ففتحنا أيادينا و تلقينا الهدية بمزيج من الفرح و الرهبة.في طريق عودتنا لامني معتصم على كوني كشفت اسمنا للقس.
” أبوي كان عرف أنحنا دخلنا الكنيسة الليلة الله قال بقولنا !”
لكني لم أهتم ، فقد كنت مستعدا لمواجهة كل المخاطر من أجل كنز الحجارة الكريمة الذي في جيبي.
6
جريدة كردفان
في طريق عودتنا من ” كوشة البوسطة”. كنا نمر أمام “فرن الكهربا” الذي أسسه أغريقي آخر من أعلام المدينة، كان يصنع ذلك الرغيف الأفرنجي الطري الذي كنا نسميه ” رغيف الكهربا “و في الحقيقة كان ذلك الفرن يعمل بوقود الجازولين.و حين يتبدل اتجاه الريح كانت رائحة الخبز تخرج من مدخنة الفرن العالية مع نثار الهباب الأسود الذي يقع على رواد كنبات ” الشعب في حوش سينما كردفان .و بعد افتتاح “سينما عروس الرمال”، في نهاية الخمسينيات، أطلق بعض ظرفاء المدينة على ” سينما كردفان ” اسم ” فرن كردفان”. غريبة حكاية الأسماء في الأبيض. فكل الأمكنة العامة التي لا تحمل اسم ” كردفان” اسمها ” عروس الرمال”. بعد فرن “رغيف الكهرباء” لا بد أن تتوقف عند دار جريدة كردفان. و هو بناء في طراز معمار “بيوت الخواجات” المكونة من حوش و درج يعلو بك نحو نوع من صالون تحفه الغرف التي هي مكاتب الجريدة.كانت هناك مكتبة صغيرة يسار المدخل لبيع الكتب و الصحف قبالتها صالة تؤثثها طاولة جمع طباعي عليها أحرف رصاصية متفاوتة الأحجام و يقف فوقها بعض الاشخاص العاكفين على جمع الأحرف الصغيرة طيلة اليوم. كنا ننظر في تلك الأحرف الرصاصية المقلوبة من بعيد و يغمرنا فضول عذب بمعنى المكاتيب المجهولة المكنونة بين الرصاص و الحبر و الخشب.
كانت جريدة” كردفان”، أهم صحيفة إقليمية في ذلك الزمان.و هي بحق إحدى معاقل الحداثة المنيعة في كافة البلاد الواقعة غربي النيل الأبيض و جنوبي الصحراء الكبرى. و أظنني بدأت فك الخط في منتصف الخمسينات و أنا أتهجى سطور صفحة ” يوميات التحرّي” في جريدة” كردفان” التي كان يصدرها الصحافي الرائد” الفاتح النور”. كانت جريدة” كردفان” تعتبر مادة مقروءة متوفرة باستمرارفي كل مكان. كان الكبار يشترونها لمعرفة تطورات بورصة المحاصيل أو أخبار و تحليلات الكورة التي كان يتابعها مراسلو الجريدة بين الرهد و بارا و كادوقلي و النهود و أمروابة إلخ. كما كانت الجريدة تحتوي أيضا على ترويسة مهمة هي ترويسة ” الإجتماعيات” التي كان الناس يعرفون فيها أخبار الزيجات و الوفيات وغيرها في نواحي كردفان و دارفور( للجريدة مكتب في نيالا منذ نهاية الخمسينات). بالنسبة لي كانت ترويسة ” يوميات التحري” عامرة بما لذ ّ و طاب من الحوادث التي كانت تكسر ملل الحياة اليومية لمدينة مستقرة على عاداتها و مستغنية عن ما يدور في خرطوم بعيدة ولا مبالية.و ” الحوادث” التي كانت توقـّع حيوات الناس العاديين كانت تتشكل من قصص قصيرة متتابعة متجددة كل يوم.أظن أن ” يومية التحري” في جريدة كردفان كانت بالنسبة لي عالما أدبيا قائما بذاته.عالم ؛حوادثه” كلها مشوقة و ذات مضمون أدبي غاية في الثراء.ثم جاءت ” ثورة مايو” و أمم النميري جريدة كردفان ، ضمن ما أمم من صحف فانطوت صفحة جليلة من صفحات كتاب الصحافة السودانية، و في السبعينيات جرت محاولة لإصدار ” كردفان ” في الخرطوم فشلت بعد أشهر من صدورها و كشفت عن أن جريدة كردفان لم تكن شغل حبر على ورق فحسب، و إنما هي نصب مفهومي أصيل لإرادة التحديث التي عبرت عن نفسها باستقلال عن إرادة السلطة المركزية في الخرطوم.
7
فرقة فنون شعوب كردفان
لم تكن جريدة كردفان نسيج وحدها في سيرة الإستقلال عن تلك العاصمة المتعالية المستبعدة: الخرطوم، فقد أتاحت المسافة المركبة من عوامل الجغرافيا و التاريخ و الإقتصاد ، فضلا عن عناصر المزاج الثقافي الكردفاني، أتاحت لمجتمع الأبيض فرص تطوير تعبير ثقافي مميز كانت أفضل تمثلاته ، في مطلع الستينيات، تلك المؤسسة الفنية التي عرفت بـ ” فرقة فنون كردفان” . و هي كيان فني وسياسي مدهش تطور على حماس مجموعة من الشباب الموهوب المولع بالخلق الموسيقي الذي يستلهم تقليد الغناء الشعبي. و في مجموعة المؤسسين التأم شمل موسيقيين من ذوي الحساسية الإقليمية [صديق عباس و ابراهيم موسى أبـّا و عبد القادر سالم وعبد الرحمن عبد الله و المنصوري و رابح الصديق.. و آخرين] مع أشخاص من شاكلة محمداني و جمعة جابر الذي حمل للفرقة حسه الجمالي النقدي الذي ساعد الشباب على التباعد عن نموذج الأغنية العاصمية في بعدها الطبقي و العرقي، مثلما حمل لتلاميذه حسه السياسي كناشط يساري تدرب في صفوف الحزب الشيوعي و تلقى دراسات موسيقية[ آلتو ساكس] و سياسية في الإتحاد السوفيتي.
فرقة فنون كردفان كانت ـ بسبب شقيقي عثمان، الذي تعلم آلات الكمان و الكلارنيت على يد جمعة جابر في مدرسة الأبيض المهنيةـ كانت فضاءا مالوفا ، متداخلا مع فضاءات أبيّضاوية أخرى مثل” إتحاد الشباب السوداني” و ” معهد موسيقى جمعة جابر” و غيرها من أشكال العمل العام التي خرجت من رحم أكتوبر 1964. كانت عصابة ” معهد الموسيقى” تتنقل بين نادي الهلال و نادي العمال ، و قد حفزني عثمان على متابعة دروس الكمان و الصولفيج مع جمعة جابر لولا أن منعني تراكب غواياتي من المواصلة. لكني فخور بكوني جلست ـ لفترة وجيزة بين 1966و 1967 ـ على نفس مقاعد الدرس الى جانب عبد القادر سالم و عبد الرحمن عبد الله الذين سيعرفون في السبعينات بـ ” أولاد الغرب” و ستطبق شهرتهم الآفاق السودانية بفضل ذلك الحراك الموسيقي الذي انطلق من الأبيض.
8
و مكتبة البلدية
كانت فرقة فنون كردفان في مبنى متواضع وراء “نادي الخريجين” غربي السوق.و من الناحية الأخرى كانت هناك ” مكتبة البلدية”.واحة سرية من كنوزالمعرفة في قلب صحراء المدينة.في مكتبة بلدية الأبيض لم يكن القراء يستلفون الكتب.فالقراءة “كاش” على حد تعبير أحد الأصدقاء. و كنت أقضي نهارات العطلة المدرسية الطويلة و أمسياتها أقرا حتى تغلق المكتبة أبوابها. في مكتبة الأبيض العامة لم يكن هناك جزء مخصص ليافعة القراء، لكني ، حين يستبد بي الملل، كنت أقرأ أي شيء ” من طرف”! و كيف السبيل إلى الملل و في حضرتي أكثر من شهرزاد من عيار نجيب محفوظ وعبد الصبور وجبران و ابن المقفّع ، و ذخيرتهم لا تنفذ، جنبا لجنب مع الفيتوري(“عاشق من أفريقيا” ياله من كتاب ! و كان شتاينبيك ( أعناب الغضب و رجال و فئران) و غوركي و ميلفيل، كما كان فرويد( تفسير الأحلام) و كان فيكتور هوغو(البؤساء)، و كان ماركس عليه السلام و كان سارتر كرم الله وجهه في مجلات ” الطليعة ” و ” الآداب”،مثلما كانت هناك سير الرسامين الأساطين و أعمالهم في مستنسخات مجلة “الهلال”… في هذا المكان الذي كان يحد السوق غربا تعرفت على أصدقاء فكر صاروا مثل أهلي، بل هم أهلي بالفعل كونهم أهّلوني لمجابهة أسئلة العالم.(و ما الأهل؟ مندري؟).و حين ينتابني الحنين للأبيض تجول بخاطري ذكريات يتلاحم فيها أهل الدم بأهل الفكر فأكاد أراني في حلواني “جروبي” بين محمود عمر و زهاء الطاهر وإرنست همينغواي، ننتظر دور السينما الثاني و نخوض في سيرة ” حراجي القط” و عبد الرحمن الأبنودي.
حسن موسى
دوميسارق في29 يونيو 2015
.