التقاريرثقافة وفنون

منزل جريزلدا..همجية الجنجويد

 

هذا المنزل الأنيق في الصورة أعلاه هو المنزل الكائن في حي العمارات شارع 17 بالخرطوم، منزل البروف الراحل عبد الله الطيب عليه رحمة الله تعالى ، لما اسلمت زوجته الحاجة كريزلدا الطيب (واسمها الكامل كريزلدا بنت السيد وليام ايدوارد) ، كان يوم اعلان اسلامها عيدا بالنسبة لعبد الله الطيب الذي ظل يحدثها عن الإسلام ويشرح لها ما أشكل عليها من تعليماته، وفوق هذا وذاك أقنعها بسلوكه القويم وأخلاقه الإسلامية العالية ، وثقافته الواسعة ، أقنعها بالإسلام، ولما رأت المسلمين في مدينة كانوا واعتزازهم وتمسكهم بالإسلام، عندما نقل عبد الله الطيب للعمل بجامعة بايرو ويؤسس فيها كلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية، أعلنت اسلامها بحضور مفتي نيجيرا وعدد من طلبة عبد الله الطيب ومريديه بنيجريا، كانت فرحته عامرة باسلامها، وما كان منه الا أن سجل لها تلك الفيلا الفاخرة هدية لها، هذه الفيلا التي وضع تصميمها السيد شارلي أنتون، وأقام قواعدها السيد دفع الله الترابي، وهما من أصدقاء عبد الله الطيب وجريزلدا، وأما اللمسات الفنية فوضعتها الحاجة جريزلدا بنفسها.
ولما أحست كريزلدا ” أو الجوهرة كما كان يسميها عبد الله الطيب، لما أحست بدنو الأجل، كتبت وصيتها وأهم ما فيها أن تقبر بجانب زوجها عبد الله الطيب، وأن تكون تلك الفيلا وقفا لكلية الآداب بجامعة الخرطوم يصرف ريعها في البعثات الخارجية للطلبة السودانيين، كما أوقفت منزلا لها بمدينة لندن على الطلبة السودانيين والمغاربة الذين يتابعون دراساتهم العليا بلندن . بعد وفاتها في يوم العشرين من مايو من العام 2022، قامت الأستاذة فادية ابنة أخت عبد الله الطيب بتسليم مفاتيح الفيلا المذكورة الى مدير جامعة الخرطوم، وفي سرادق العزاء أعلن مدير جامعة الخرطوم في كلمته بأن إدارة الجامعة قررت أن تجعل من سكن الأساتذة ببري والذي كان يقيم فيه عبد الله الطيب، أن تجعله متحفا لعبد الله وكريزلدا ، وأن يظل المنزل كما تركته كريزلدا التي جعلت منه متحفا حقيقيا يحوي رسوماتها وابحاثها ومؤلفات عبد الله الطيب، لكن الجنجويد عليهم لعائن الله في سعيهم الحثيث للقضاء على ذاكرة السودان عاثوا فسادا في ذلكم المنزل وجعلوا كل ما فيه تحت الأنقاض .
الجديير بالملاحظة ان اسم جريزلدا Griselda، واصله اسم جيرماني يعني المرأة التي اجتازت كل اختبارات الصبر في الحياة مع زوجها الذي تحبه، ولعل هذا المعنى ينطبق تماما على جريزلدا مع زوجها الذي عشقته حتى الثمالة:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب
الا ومعناه ان تأملت في اللقب
عشقته منذ أن رأته أول مرة ضمن طلبة جامعة لندن من السودانيين، وهي التي سعت ورائه وطلبت منه ان يتزوجها، وكان هو عازفا عن الزواج، اذ كانت كراهيته للاستعمار شديدة، وكان يحمل على كاهله مسؤولية أخواتها اللائي كان يعولوهن، وكان قد قرر ألا يتزوج الا بعد تزويجهن ، لكنها سعت وراءه كما ذكرت في عدة لقاءات حتى وافق على الزواج منها، الا أن والديها رفضا الفكرة من أساسها ، فكرة أن يرتبط المستعمرين ببنات مستعمريهم ، حتى أن والدها ذهب خصيصا الى وكيل السودان بلندن ليطلب منه إيقاف تلك الزيجة بتسفير عبد الله الطيب الى السودان ن الا أن الوكيل البريطاني اقنعه بأن عبد الله الطيب سيكون له شأن كبير في المستقبل فهو من أسرة المجاذيب المشهورة في السودان، وذكرت كريزلدا أن والدها رأى عبد الله الطيب من نافذة منزلهم حينما جاء لخطبتها أول مرة، علق قائلا ” He looks like a murderer ” أي ” يشبه القتلة”، وقالت انها وهي على الباخرة في طريقها الى السودان سألتها احدى الانجليزيات عن سبب زيارتها للسودان ، فلما أخبرتها انها مسافرة للالتحاق بزوجا السوداني ، علقت البريطانية قائلة ” انه لأمر disgusting” أي مقزز .
لقد جاءت جريزلدا الى السودان تدفعها رياح الحب القوية، ورياح الحب اذا هبت قوية لا يقف في طريقها شيء ولا يعوقها معوق، ويقول أهلنا ” الماعندو محبة ما عندو الحبة” وبالتالي ” العندو محبة عندو كل شيء” ، عاشت في الدامر وفي الخرطوم ، وفي مجمع معهد بخت الرضا، يتنقلون في المعهد بدراجاتهم الهوائية ، ويتوجلون على النيل بمركبهم الشراعي ، ويقهرون الظلام بالفوانيس والرتاين، وكانت تلك الحياة بالنسبة اليها حياة اسطورية لا مثل لها وهي التي شكلت لديها صورة السودان وعبد الله الطيب وكلاهما السودان وعبد الله الطيب وجهان لجمال واحد.. تلك الرياح ، رياح العشق – لم تتوقف بموت عبد الله الطيب بل ظلت كريزلدا امتدادا لعبد الله الطيب، تفعل المستحيل لتظل سيرته حية، باعت مزرعة لها في بتري لتؤدي بثمنها الحج ثم لاعادة طباع بعض كتب عبد الله الطيب مثل كتبه “المرشد” ومن نافذة القطار، وحقيبة الذكريات ، والأحاجي السودانية /، وحتام نحن مفتونون بتي اس اليوت، وهجرة الحبشة وما ورائها من نبأ، ولآخر مرة رايتها فيها قدمت لي مخطوط ديوان شعري كان عليه تصحيح للطباعة بقلم الدكتور الواثق عليه رحمة الله لم يطبع بعد. وعلى كثرة المؤلفات التي طبعت لعبد الله الطيب فما لم يطبع بعد لا يقل عن الذي طبع ..
الحديث عن جريزلدا يطول ن ولكن الناس تعودوا ان يتحدثوا عنها من خلال سيرة عبد الله الطيب، عبد الله الطيب يستحق أن يتحدث عنه الناس كلما تحدث الناس عن السودان وعن العربية، وجريزلدا أيضا تستحق أن نتناول سيرتها هي من خلال ما قدمته من أعمال جليلة ومواقف كريمة عليها رحمة الله تعالى .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى