
من أعلى المنصة ياسر الفادني فِكُوا الشَفْرَة !
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
فِكُوا الشَفْرَة !
الوضع الاقتصادي لم يعد مجرد شأن من شؤون الأزمة، بل أصبح هو الأزمة ذاتها، أو قل إن الأزمات كلها صارت تصطف في طابور واحد أمام جيب المواطن! الأسعار لا ترتفع اليوم مثل الأمس، ولا تقف عند حدٍّ يمكن للعقل أن يستوعبه، وإنما تمضي صعوداً كأنها في سباق لا نعرف من أطلق صافرة بدايته، ولا من سيمنحها شرف الوصول إلى خط النهاية!
الأسعار ترتفع بمتوالية هندسية لا عددية، والسلعة التي كان المواطن يشتريها بالأمس بسعر، يجدها اليوم بسعر آخر، وغداً لا يدري بأي رقم سيصطدم! وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا يحدث بالضبط؟ ولماذا بلغ الاضطراب الاقتصادي هذه الدرجة في هذا التوقيت تحديداً؟
نعلم جميعاً أن البلاد مرت بظروف قاسية، وأن الحرب خلّفت ما خلّفت من خراب وتعطيل وتشريد وتراجع في الإنتاج والأسواق والخدمات، ونعلم أن وراء ذلك من أشعلوا الحرب وأفسدوا حياة الناس، لكن المفارقة التي تستحق الوقوف عندها أن الوضع الاقتصادي، رغم قسوة الظروف في فترات سابقة، كان أكثر احتمالاً مما هو عليه الآن في جوانب كثيرة. فما الذي تبدّل؟ وأين تكمن الحلقة المفقودة في هذه المعادلة؟
التاجر نفسه أصبح في حيرة من أمره، يشتري اليوم بسعر، فإذا أراد أن يعيد شراء السلعة غداً وجد أن رأس ماله لم يعد يكفيه! فإن رفع السعر اتُّهم بأنه جشع، وإن أبقى عليه خسر، وإن أغلق دكانه انتهى مصدر رزقه، وبين هذا وذاك يقف المواطن أمام الرفوف كأنه أمام امتحان مفاجئ، ينظر إلى الأسعار، ثم إلى جيبه، ثم يعيد النظر إلى الأسعار، وفي النهاية لا يملك إلا أن يوزع علامات الاستفهام على كل الجهات!
المواطن لا يريد أن يسمع كل صباح قاموساً جديداً من المصطلحات، يريد أن يعرف ببساطة: لماذا ترتفع الأسعار بهذه السرعة؟ ومن المسؤول؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
والدولة هنا أمام مسؤولية، المطلوب ليس فقط مراقبة السوق، وإنما تفكيك أسباب هذا الاضطراب من جذورها: الإنتاج، النقد الأجنبي، الاستيراد، النقل، الضرائب والرسوم، سلاسل الإمداد، المضاربات، التخزين، التهريب، والاحتكار، وكل حلقة يمكن أن تكون سبباً في إشعال السعر قبل أن يصل المنتج إلى يد المواطن ، وإذا ثبت وجود تلاعب متعمد أو مضاربات منظمة أو تهريب أو تمويل لأنشطة تضر بالاقتصاد، فهذه مسألة تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة، ويجب أن تُواجه بالقانون وبحزم شديد، أياً كان الفاعل وأياً كانت الجهة التي تقف خلفها
ولا ينبغي أن يتحول كل ارتفاع في الأسعار تلقائياً إلى مؤامرة، كما لا ينبغي في الوقت ذاته أن نتعامل مع ما يحدث وكأنه أمر طبيعي لا يحتاج إلى تحقيق، الشك وحده لا يكفي للاتهام، لكنه يكفي لفتح باب التحقيق حين تصبح الظاهرة أكبر من التفسير العادي
نحن نثق في أجهزة الدولة الأمنية والرقابية، ونثق أن لديها من المعلومات والأدوات ما يمكنها من الوصول إلى من يعبثون باقتصاد البلاد، سواء كانوا في الداخل أو كانت لهم امتدادات خارجية. لكن المطلوب أن تتحول هذه الثقة إلى فعل واضح يراه المواطن في السوق
فالاقتصاد لا يحتمل الغموض، والمواطن لا يستطيع أن يعيش على علامات الاستفهام، والتاجر لا يستطيع أن يفتح دكانه كل صباح وهو لا يعرف بأي سعر سيشتري، ولا بأي سعر سيبيع، ولا هل رأس ماله الذي بين يديه ما زال رأس مال أم أصبح مجرد رقم جميل في دفتر قديم!
لقد طال الصبر، و(الجَكّة فعلاً دايرة يس) ! فإما أن تمسك الدولة بخيوط هذه الفوضى وتعرف من أين تأتي، وإما أن يستمر المواطن في مطاردة الأسعار وهي تطارده
إنى من منصتي أطرح سؤالا هل نشتري السلعة قبل أن ترتفع، أم نبيع الجيب قبل أن يهبط سعره؟!.