
من أعلي المنصة ياسر الفادني الخشبة التي اشتاقت إليها مدني تعود !
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
الخشبة التي اشتاقت إليها مدني تعود !
كم كنت حزيناً كلما مررت بمسرح الجزيرة! كنت أراه واقفاً في قلب ود مدني بجسدٍ أنهكته الأيام وملامح لا تشبه هذه المدينة التي عرفت دائماً كيف تصنع الفرح من بين الركام، كانت تأخذني غصة لا أكاد أبتلعها، وأسأل نفسي: هل أصبح المسرح ترفا؟ هل مسرح مدني أقل ضرورة من المياه والكهرباء والطاقة الشمسية؟ ولم أجد إجابة تشفي ذلك السؤال
كان الأكثر إيلاماً أن ترى قامات المسرح لا تفارقه، رغم رداءة المكان، وكأنهم يقولون إن المسرح لا يموت ما دام هناك من يؤمن بالخشبة ، كنت أشعر بطعم الفقد لأنني واحد من الذين يعرفون قيمة هذه الخشبة ويعرفون ماذا يعني أن تتوقف الحركة المسرحية في مدينة مثل ود مدني
لكن اليوم ابتسمت!
ابتسمت لأنني رأيت أخيراً حركة رسمية تلتقط القفاز وتقول إن مسرح الجزيرة لا ينبغي أن يبقى شاهداً على الإهمال، رأيت الصيانة والتأهيل يتحركان، ورأيت أسامة ضياء الدين، مدير المسرح والمسرحي المطبوع، وعلى وجهه شيء من الفرح وهو يرى الخشبة تستعيد أنفاسها، ورأيت أملاً بأن يعود للمكان بريقه الذي غاب طويلاً
هذه الخطوة تقودها حكومة ولاية الجزيرة باشراف الوالي ومتابعة ووزير الثقافة والإعلام وتنفيذ ووزير التخطيط العمراني، تمويل وزير المالية لإعادة تأهيل هذا المسرح العريق، لا باعتباره حجارة ومقاعد وخشبة وستارة، وإنما باعتباره متنفّساً لأهل الفن والجمال، وذاكرةً ثقافية لمدينة ود مدني.
ويبدو أن العمل يسير نحو نهايته قريباً، ومعه يقترب موعد افتتاح موسم ثقافي كبير طال غيابه، وأنا على يقين أن كتاب المسرح والمخرجين والممثلين والموسيقيين في مدني ظلوا طوال سنوات يحملون أعمالاً كثيرة في صدورهم، وينتظرون فقط أن تقول لهم الخشبة: عودوا!
وعندما تعود الخشبة لن يعود المسرح وحده، ستعود معه الروح،
شكراً لمن أصلح وأعاد الحياة لهذا المكان، من صلّح اللوري يا كوجاك؟! فقد آن للمسرح أن يتحرك من جديد، ويبدو أن إبليس نفسه سيضطر إلى تغيير نسخته عندما يجد نفسه واقفاً أمام خشبة استعادت عافيتها! وسيشرد شر طردة… قول واحد يا الجبور!
مدني لا تحتاج إلى مبانٍ فقط، بل تحتاج إلى روحها، والمسرح أحد أبواب تلك الروح، فحين تفتح الخشبة ستفتح معها أبواب الشعر والموسيقى والتمثيل والفكر والحوار والجمال،
واليوم تقول حكومة ولاية الجزيرة لأهل الثقافة والفن: نعطيكم مسرحاً.
والرسالة المقابلة ينبغي أن تكون واضحة: أعطونا أمةً تدعم الكرامة، وتحمي الوطن، وتعرف أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الجدران
اني من منصتي أنظر… حيث أرى… أن ود مدني لا تستعيد عمرانها فقط، بل تستعيد صوتها أيضاً… وعندما يعلو الستار من جديد، ستعرف المدينة أن بعض الأشياء الجميلة مهما طال غيابها، لا تموت.