الأعمدة

*وجع ضرس*   *عبد الكريم محمد فرح* *مجذوب أونسة… حيث ترتدي الأغنيات السواد*

 

*وجع ضرس*

*عبد الكريم محمد فرح*

*مجذوب أونسة… حيث ترتدي الأغنيات السواد*

لم يكن الطريق إلى الحتانة مجرد انتقالٍ بين الأمكنة، بل كان عبورًا مثقلًا بين الذكرى والوجع.

في ذلك المساء، كانت أمدرمان تبدو كأنها تُنصت لحزنها القديم؛ الهواء ساخن، والوجوه متعبة، وصمت البيوت يحمل شيئًا من نبرة صوته. كنتُ أمضي مثقلًا بأسئلة الفقد، وبقلبٍ يعرف أن بعض الرجال حين يرحلون، يتركون الأغنيات أكثر يُتمًا، ويتركون الوطن أكثر وحشة.

ذهبتُ صوب منزله، والرهبة تحيطني إحاطة السوار بالمعصم. كنت أسأل عن منزل الأستاذ مجذوب أونسة، وقد صعب عليّ أن أقول: “الراحل المقيم”.

في الطريق كان صوته يحتويني ويُهدئ الوجع:

“بالله يا حلم الصبا…”

وأسمع أيضًا:

“جيت أوادعك يا قماري

ما خلاص شديت رحالي،

وجيت أوصيك لما أرحل

أبقى عشرة على صغاري.”

كنتُ أردد الكلمات كأنني أتشبث بصاحبها، وكأن صوته ما زال يمشي في طرقات المدينة القديمة. ثم تسللت إلى داخلي أغنيته الأخرى التي صاغت وجداننا:

“عزيزٌ أنت يا وطني.. برغم قساوة المحن.”

وكان حال العابرين أمامي يحكي فعلًا قساوة المحن؛ وجوه أنهكها التعب، وعيون تحمل ما لا تقوله الكلمات. الناس روحها مارقة ومصنددة، لكن شيئًا عميقًا في تلك الوجوه كان يؤكد — رغم كل شيء — أن لهذا الوطن قلبًا لا ينكسر.

وصلتُ إلى المنزل. سبقني إليه صديقي محمد أبو القاسم والحبيب معتز الريح، وكان المكان مكتظًا بالحزن، كأن الأغنيات نفسها جاءت ترتدي السواد.

هناك صادفتُ وصول أخيه الأستاذ حسين أونسة، شاعر أغنية “عزيز أنت يا وطني”. ما إن التقت العيون حتى سبق الدمع الكلام. بكيتُ معه، فعانقني وبكى، وكان الوطن حاضرًا بيننا بكل عزّته وانكساره، وهو يردد بحرقة موجعة:

“أخوي… يا أخوي.”

في تلك اللحظة لم يكن الفقد فقد أسرةٍ وحدها، ولا فقد محبين فحسب، بل كان شيئًا أكبر؛ كأن جزءًا من ذاكرة السودان كان يُوارى الثرى. في عزاء مجذوب أونسة، وفي محراب محبته، بكيتُ حنينًا، ثم غادرت.

خرجتُ من العزاء وأنا أشعر أن مجذوب أونسة لم يكن رجلًا يُرثى فقط، بل كان وطنًا صغيرًا يسكن الناس بالكلمة والنغمة والدفء. رحل الجسد، لكن صوته ظل معلقًا في ذاكرة المكان، يمشي بين الأزقة، ويوقظ فينا ذلك السودان الذي نحبه رغم التعب، ونشتاق إليه رغم قساوة المحن.

غادرتُ الحتانة والليل يُسدل أستاره على أمدرمان الصابرة، لكن “أبو الصغار” لم يغادرنا. رحل عاشق الوطن، وتوسدت الأغنيات حزنها النبيل، لكن العزاء يظل في تلك النبرة التي لا تموت. رحل أونسة تاركًا خلفه الأغنيات والحنين وصوتًا بعيدًا لا يزال يتردد في المدى ويقول:

“عزيزٌ أنت يا وطني.. برغم قساوة المحن.” 🇸🇩💔

 

*الصورة:*

للراحل مجذوب أونسة وهو يستقبل أول رحلة تهبط بمطار الخرطوم الدولي، بعد توقف دام لسنوات جراء حرب أبريل اللعينة.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى