مقالات

(٥٦) الدولة الوهمية .. ( أزمة الشرعية والمشروعية ) ..!!

الراصد
فضل الله رابح

يسعي رجال المعارضة السياسية سيما المسلحة في السودان عبر التاريخ إلي تقديم مبررات لما يفعلونه بأنهم يحاربون مشروع اقصائي إسمه دولة ١٩٥٦م التي إحتفظت ( بالسوفت وير ) الخاص بإدارة الدولة السودانية وخصصته لجغرافية أو إقليم محدد ولذلك يسعون الي إعادة صياغة الدينامية السياسية السودانية عبر تأجيج مشاعر الكراهية ما بين المكونات الاجتماعية علي خلفية صراع مجموعتين وهميتين هما ( المركز والهامش ) وباتت هذه من الحجج المرجعية التي اعتمد عليها الجنوبيون في حربهم التي اندلعت منذ بواكير تأسيس الدولة السودانية وانتهت الي فشل مشروع السودان الجديد وخلصت الحرب الي مفاوضات والتوصل الي حل سياسي وضع حد للصراعات العسكرية بعد أن إقتنع دكتور / جون قرنق بعدم وجود مشروع دولة متفق عليه يضم سكان الشريط النيلي بكل قبائلهم إسمه دولة العام ١٩٥٦م وفي تقديري هذه القراءة صحيحة واقعيا لا يوجد مشروع إسمه دولة ٥٦ بأبعاد إثنيه وجغرافية محددة _ لا يوجد مشروع عنصري يحمي مصالح قبائل ومجموعات سكانية محددة ولديه مرتكزات وأفراد يؤمنون به ويدافعون عنه و ينتهك مصالح آخرين ويهضم حقوقهم وانما واقف أفراد وفي نطاق ضيق _ ذات المقولات الجاهزة غير الصحيحة والتي تستخدم مبررات في خطب بكائية لمحاربة ما يسمونها دولة ٥٦ ( دولة الجلابة ) وووعد بمكافأة المحاربين بعد تحقيق الانتصار إستخدمت في حرب دارفور ٢٠٠٣م وفي تمرد (حميدتي ٢٠٢٣م) والمتأمل لخطاب تمرد الدعم السريع فهو صورة مكررة لخطاب حركات دارفور لأن المستشارين السياسيين والناطقين باسمه إستغلوا ذات الشعارات وتم حشرها في أجندة خطابهم السياسي ضمن الحرب التي يخوضونها بالوساطة والوكالة _ إنني وبذات قناعتي بعدم وجود مشروع إسمه دولة ١٩٥٦م لا يوجد مشروع متفق عليه إسمه _ ( مشروع معالجة الإختلالات البنيوية للدولة الوطنية وحسم التناحر والتنافر السياسي المزمن عبر السلاح ) وليس هناك جهة أو أشخاص مفوضون شعبيا للقيام بهذا الدور وفرض رؤيتهم علي الجميع وفي نفس الوقت إلصاق تهمة دولة ٥٦ علي فئة من خصومهم وجعل محاربتهم فرض عين _ وإذا أردنا قراءة مؤشرات ومبررات الصراعات المسلحة يمكننا القول صحيح لدينا ضعف بنيات الدولة الوطنية وهذا خلل لازم الدولة السودانية منذ نشأتها رغم محاولات إنقاذها الا ان المحاولات لم تنجح وان مشروع الفشل ساهم فيه الجميع من أبناء السودان وبكل احزابهم وتنظيماتهم السياسية وتياراتهم الفكرية وبدرجات ونسب مختلفة ومتفاوتة ولكنه ليس علي الطريقة التي رسخت مفردة العنف في ذهنية البعض وبذلك القدر الذي صنع مصطلح المركز والهامش وبالتالي إن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تتم إلا عبر مشروع تغيير واصلاح وطني شامل وبمساهمة ومشاركة الجميع من دون إقصاء وأعتقد أن الإسلاميين لديهم مشروع يحمل ملامح الدولة الوطنية وهو الذي إقتنع به قادة الحركة الشعبية سابقا وبه تم التوصل إلي اتفاقية سلام نيفاشا ٢٠٠٥م وبموجبها تقاسم الجنوبيون وأهل السودان الثروة والسلطة وهي الاتفاقية التي أنتجت أهم دستور صنعه السودانيون منذ الاستقلال وحتي الآن وهو دستور ٢٠٠٥م الذي شهده ووقع عليه كل العالم _ إن مشروع دولة ١٩٥٦م المتوهم في السودان مثله وتبني الشمولية أو الحكم الطائفي أو مشروع تبني العنف فهي جميعها ممارسات إنتهازية سياسية تتم ويقوم عليها أفراد وجماعات اتفقت مصالحهم وحتي يسوقون لأفكارهم لابد من استخدام المقولات والمنقولات الجاهزة لتوجيه الرأي العام وكسب المواقف دون النظر لحمولاتها وتكاليفها الباهظة ولأننا شعب بلا ذاكرة ينخرط كثير منا في تبني الخط الجديد وتظل الحقيقة المجردة هي ليس هناك ثمة جغرافية أو مكونات اجتماعية معروفة اتفقت علي الحرب ودونكم كل حركات التمرد التي انتهت تمرداتها الي تسويات جميعها كانت تحارب الجيش السوداني ومن يقاتلونها مع الجيش نظاميون ومتطوعيون يمثلون كل طوائف السودان وقبائله المختلفة _ غالبية التمردات التي شهدها السودان تحت غطاء الهامش والمناطقية جنحت للسلم وتم الاتفاق والتحالف مع ذات المجموعات التي يسمونها بنخب المركز والنخب النيلية وهي تسويات تمت بعد ما توصلت المجموعات المحاربة لقناعة عدم واقعية القتل والتشرد والهجرة القسرية للسكان ودونكم مني اركو مناوي حاكم إقليم دارفور وجبريل ابراهيم رئيس وزراء ووزير مالية السودان ومالك عقار نائب رئيس مجلس سيادة ومبارك اردول مديرا لأكبر شركة موارد اقتصادية بالسودان وجميعهم كانوا متمردين ويستخدمون نفس المبررات ويعزفون علي ذات الاوتار لكنهم اليوم يحاربون (حميدتي ) الذي تمرد وهو الذي فاوضهم ووقع معهم اتفاق سلام جوبا ممثلا للدولة وبتفويض من مؤسساتها إلا أنه اليوم تمرد وحل مكانهم في موقف يشبه تناقض الشخصية السودانية وبذات القدر ليست هناك قبائل أو جغرافية أو اشخاص يمثلون تلك التي ألصقت بهم تسمية نخب دولة ١٩٥٦م _ بل كل التمردات السياسية السابقة كانت قد طرحت حلم دولة الديمقراطية والعدل والمساواة والتحرير جميعها شعارات بدون مشروع متفق عليه بيد ان كل تلك الأحلام قد انهارت وتلاشت إمكانية الانتصار علي الدولة الوطنية ( الشعب وجيشه ) والهيمنة بقوة السلاح سوا علي المساحات الجغرافية أو السكنية أو الاستيلاء علي الموارد الاقتصادية والسلطة فتلك مجتمعة يقيني لا تساوي الأنفس والأرواح التي فقدت كما أنه عادة ما تكون الخلاصة في معظم الحؤكات المتمردة انقسامات وانهيار الفكرة التي تأسست عليها الحرب والخطاب الجاذب عاطفيا وجهويا أو قبليا أيديولوجيا وجمع حوله العديد من المتعاطفين من مختلف الأجناس والجغرافيا _ كما أن الحدود الجغرافية المؤيدة لمشروع الحرب دائما مرشحة للتناقص والاختفاء كل يوم يمر بسبب وحشية الممارسات وهو ما يحرم قادتها من العمق الجغرافي والاجتماعي الذي يسمح لهم بالمناورة عسكريا وسياسيا وتبني مطالب وحقوق علي المدي البعيد أوالقريب فضلا عن تراجع مصادر دخل و تمويل الفكرة الناتج عن احتكار المكاسب بواسطة مجموعة ضيقة وكذلك الصراعات البينية ودخول ذئاب الحرب الدوليين والاقليميين الي جانب الاحتكاكات السكانية التي تحدث في مناطق العمق الاجتماعي للذين يتبنون خطوط المواجهة كما أن التقديرات الدولية والإقليمية لا يمكن أن تستمر بالقدر الذي يوفر ضمانات بل يرشح أن تتحول إلي شل حركة القوي المتمردة ومن ثم بعثرة الاوراق _ ختاما انني شخصيا ما زلت أتأمل الغموض الذي شاب كثير من المواقف الدولية حول الحرب التي بدأت بالسودان منذ ١٥ ابريل ٢٠٢٣م وحتي اليوم ولا يمكن أن نعزي هذا الموقف سوي لتناقض مصالح وأجندات الدول الغربية وغيرها من الفاعلين الإقليميين في الملف السوداني ومع أنه بات من الجزم نهاية الحرب الحالية وفق المؤشرات علي الواقع ولكن من الصعب الجزم بعدم إنتاج حروب أخري في السودان إذا لم ينتبه السودانيون وفتح نقاشات جدية ومعالجة مداخل الحروب ونزوعات القبائل المتناحرة التي عادة ما توظف في كل الحروب السياسية أما القطبين ( الروسي والأمريكي ) لا استبعد ان يتم تنسيق مصالحهما وتعزيزها إذا برز للسطح أن انتصار المليشيات أو القوي المتمردة مستحيلا ليس رأفة بالسودان واستقراره ولا حبا في الدعم السريع ولا اي مجموعات متمردة ولا حفظا لدماء الشباب السودانيين الذين يموتون من كل الاطراف وانما أن الهدف الاستراتيجي لم يتحقق وهو إضعاف بنيات الدولة الوطنية وإشاعة الفوضي وعدم الاستقرار عبر إحياء النعرات الجهوية والنزاعات المسلحة اللامتناهية وتدمير الطرفين المتحاربين طالما أنهم يمثلون قوة دفع ومستقبل السودان .. نحن بحاجة إلي خيال وطني محايد وجميعنا نخطط الي إعادة بناء و معالجة الأخطاء التاريخية ومراجعة فكرة تطور الدولة الوطنية ورسم معالم مستقبل السودان دون أن نصدر الأحكام المطلقة علي بعض ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى