
أفكار لميس أدهم الخلاف مع البرهان مشروع .. والسيادة الوطنية خط أحمر ليس في الأمر ما يستدعي الفرح
أفكار
لميس أدهم
الخلاف مع البرهان مشروع .. والسيادة الوطنية خط أحمر
ليس في الأمر ما يستدعي الفرح
مؤسف أن يتحول خبر عدم إصدار الولايات المتحدة تأشيرة للفريق أول عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لدى بعض السودانيين، إلى مناسبة للفرح والشماتة وتصفية الحسابات السياسية.
بحسب ما نُشر، ربطت واشنطن إصدار التأشيرة بقبول مقترح هدنة لمدة تسعين يوماً، فيما رفض الجانب السوداني التعامل مع الأمر بمنطق “خذها أو اتركها”، وتمسك بحقه في مناقشة أي مقترح وإبداء ملاحظاته عليه.
وهنا، لا ينبغي اختزال المسألة في سؤال: هل نحن مع البرهان أم ضده؟
من حق أي سوداني أن يختلف مع البرهان، وأن ينتقده، وأن يحمّله ما يراه من مسؤولية سياسية أو عسكرية عن واقع البلاد. ومن حق معارضيه أن يتمسكوا بمواقفهم تجاهه. لكن خلافاتنا الداخلية لا ينبغي أن تُفقدنا القدرة على التمييز بين معارضة شخص أو سلطة، وبين القبول بأن تستخدم دولة أجنبية حق الدخول إلى مقر الأمم المتحدة أداة للضغط من أجل فرض موقف سياسي على السودان.
فالأمم المتحدة ليست مؤسسة أمريكية، والجمعية العامة ليست اجتماعاً داخلياً تعقده الإدارة الأمريكية لتقرر من يستحق الحضور ومن لا يستحقه. ووجود مقر المنظمة في نيويورك يرتب على الدولة المضيفة التزامات تجاه الدول الأعضاء وممثليها.
لهذا، لا أرى في الأمر ما يستحق التصفيق، ولا ما يدعو إلى الفرح أو الشماتة.
فالبرهان لم يكن متوجهاً إلى نيويورك في زيارة شخصية، وإنما للمشاركة في منبر دولي باسم السودان. والاختلاف معه لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى فرح بتعذر مشاركته، خصوصاً عندما يرتبط الأمر، بحسب ما نُشر، بممارسة ضغط لقبول مقترح سياسي بعينه.
والمفارقة المؤلمة أننا، كسودانيين، ظللنا ندفع ثمناً باهظاً لهذا النوع من التفكير: نفرح بالضغط الخارجي عندما يقع على خصومنا، ثم نكتشف خطورته عندما تتبدل المواقف ويقع علينا أو على من نتفق معهم.
مرة نستدعي الخارج ليحسم خلافاتنا، ومرة نصفق لعقوباته، ومرة نحتفي بقراراته، ثم نتساءل لماذا أصبحت قضيتنا موزعة بين العواصم، ولماذا بات الآخرون يملكون كل هذه المساحة للتدخل في تفاصيل شأننا الوطني.
بهذه الطريقة لن نمضي إلى الأمام.
لن يتعافى السودان إذا ظل كل طرف يرى في إضعاف خصمه انتصاراً، حتى عندما يأتي ذلك الإضعاف من الخارج. ولن نبني دولة إذا لم نتعلم أن هناك فرقاً بين الخصومة السياسية وبين سيادة البلد وحقه في اتخاذ مواقفه بعيداً عن الإملاءات.
نحتاج، قبل كل شيء، إلى نبذ خطاب الكراهية والشماتة بيننا؛ أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نتمنى الإقصاء لبعضنا، وكيف نعارض من دون أن نستقوي بالخارج، وكيف نرفض التدخل الخارجي حتى عندما يبدو، للحظة، أنه يخدم موقفنا السياسي.
اليوم قد يكون المستهدف خصمك، وغداً قد تكون أنت.
المسألة هنا ليست دفاعاً عن البرهان، ولا تبنياً لموقفه السياسي، إنما دفاع عن مبدأ أكبر من الأشخاص: ألا تجعلنا خلافاتنا كسودانيين نصفق كلما مارس الخارج ضغطاً على السودان، فقط لأن هذا الضغط أصاب الطرف الذي نختلف معه.
يمكننا أن نختلف في السياسة، وفي الحكم، وفي الحرب والسلام، وفي الأشخاص والمواقف، لكن ينبغي أن تبقى بيننا مساحة نتفق فيها على أن الكراهية لن تخدم مصلحة هذا البلد، ولا حتي الشماتة، ولا الاستقواء بالخارج.
الخارج، في نهاية الأمر، تحكمه مصالحه؛ أما السودان، فهو مسؤوليتنا نحن.