
أفكار لميس أدهم السودان بين ضرورة الوضوح ومسؤولية المصير* اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن…
أفكار
لميس أدهم
السودان بين ضرورة الوضوح ومسؤولية المصير*
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن…
لم يعد هذا الدعاء مجرد تعبير وجداني، بل صار خلاصة موقف شعب خبر تقلبات الطريق، وأدرك أن الأوطان لا تُحفظ بحسن النوايا وحدها، بل بوضوح الرؤية وصدق المسؤولية.
في السودان اليوم، تبدو الثقة في القيادة قائمة، لكنها لم تعد تلك الثقة الصامتة التي لا تُراجع، بل أصبحت مشروطة بقدرة حقيقية على إدارة المرحلة بشفافية، وبما يبدّد مخاوف التكرار التي تسكن الذاكرة الجمعية. فالشعوب، مهما صبرت، لا تنسى بسهولة، ولا تطمئن لمجرّد العبور المؤقت إن لم ترَ ضمانات تحول دون العودة إلى نقطة البدء.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز الأزمة، بل في كيفية تجاوزها: هل يكون ذلك عبر حلولٍ آنية تُسكّن المشهد، أم عبر معالجة جذرية تعيد ترتيب الأولويات وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟ هنا تحديدا يتجلّى الفرق بين إدارة الأزمة وصناعة الاستقرار.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المجتمع من دوره؛ فالأوطان لا تُبنى بقرارات القيادة وحدها، كما لا تُهدم بأخطائها فقط، بل تتشكل أيضا بسلوك مواطنيها، وبمدى استعدادهم لتجاوز الانشغال بالهامش، والتوجه نحو القضايا التي تمس جوهر الدولة ومستقبلها. غير أن هذا الدور يظل مرهونا بوجود مساحة من الثقة المتبادلة، تُشعر المواطن أنه شريكٌ في المصير، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
أما الذين يقفون خارج حدود الوطن، فحيرتهم ليست ضعف انتماء، بل تعبير عن سؤالٍ مشروع: هل أصبح الوطن أكثر أمانا للعودة، أم أن الانتظار لا يزال الخيار الأكثر حكمة؟ وهو سؤال لا تجيب عنه الكلمات، بل الوقائع.
وبين هذه التعقيدات، يظل الدعاء حاضرا… لا كبديل عن المساءلة، ولا كستارٍ على القلق، بل كقوة معنوية تُسند شعبا يعرف أن النجاة لا تأتي مصادفة، وأن الاستقرار لا يُمنح، بل يُبنى بناءً دقيقا يتطلب شجاعة القرار، وصدق النية، واتساق الفعل مع القول.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى عبور جديد، بل إلى عقدٍ غير مكتوب بين القيادة والشعب: عنوانه الوضوح، ومضمونه المسؤولية، وهدفه ألا تتكرر الدائرة… مهما تبدلت الظروف.