الأعمدة

أفكار  لميس أدهم  ثلاثة أعوام .. ليست مثل كل الأعوام

أفكار

لميس أدهم

ثلاثة أعوام .. ليست مثل كل الأعوام

ثلاثة أعوام مضت منذ أن انطلقت الرصاصة الأولي للحرب الملعونة. ثلاثة أعوام لم تكن مجرد زمن يقاس بالتقويم، بل كانت مسافة طويلة من الفقد، من التبدل، من الانكسارات الصغيرة التي تراكمت حتى غيرت ملامح الحياة نفسها.

في البدء، كان الصخب يعلو على كل شيء. أصوات التحليل، الاتهام، التبرير، والوعود السريعة بنهاية قريبة. ثم، مع امتداد الأيام، خفتت الضوضاء قليلا، لكن الألم لم يخفت. صار أكثر هدوءا، أكثر عمقا، كجرح تعلّم أن يتأقلم مع وجوده دون أن يندمل. تحولت الحرب من حدثٍ عاجل إلى واقعٍ يومي، ومن صدمة مفاجئة إلى عبء مستمر.

لا يزال الجدل قائما: أهو الحسم العسكري أم التفاوض؟ أي الطريقين أقرب إلى الخلاص؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، يبدو بعيدا عن تفاصيل حياة المواطن البسيط. ذلك الذي لم يكن طرفا في القرار، لكنه كان أول من دفع الثمن. بالنسبة له، لا تُقاس الخيارات بالمواقف السياسية، بل بقدر ما تعيده إلى بيته، إلى سريره، إلى يوم عادي لا يحمل خوفا مباغتا.

في قلب هذا المشهد، تتشكل حكايات العودة. بعضهم عاد، لا لأن الظروف مثالية، بل لأن الحنين كان أثقل من الخوف. عادوا إلى بيوت ربما لم تعد كما كانت، إلى شوارع تحمل آثار الغياب، وإلى ذاكرة مثقلة بما لا يُحكى بسهولة. ومع ذلك، في تلك العودة شيء من الطمأنينة؛ طمأنينة لا تأتي من اكتمال الأشياء، بل من مجرد استعادة جزءٍ منها.

وهناك من لا يزال في الانتظار. ينتظر فرصة آمنة، أو إشارة تطمئن القلب، أو نهاية واضحة لهذا التعليق الطويل للحياة. هؤلاء يعيشون بين زمنين: ماض يشتاقون إليه، وحاضر لم يختاروه، ومستقبل لم تتحدد ملامحه بعد.

الحرب، في عامها الثالث، لم تعد فقط صراعا على الأرض أو السلطة، بل أصبحت اختبارا عميقا لقدرة الإنسان على الاحتمال. أعادت ترتيب الأولويات، وجرّدت الكثير من الأشياء من زيفها، وكشفت هشاشة ما كان يُظن أنه ثابت. لكنها، في الوقت نفسه، أظهرت قدرا لافتا من الصبر، من التماسك، ومن رغبة الحياة في الاستمرار رغم كل شيء.

وربما يكون أكثر ما يلفت في هذا المشهد هو ذلك الأمل الصامت. ليس الأمل الصاخب الذي يُرفع كشعار، بل ذاك الذي يسكن التفاصيل الصغيرة: في إصرار أم على تعليم أبنائها رغم النزوح، في محاولة شاب أن يبدأ من جديد، في باب بيت يُفتح بعد غياب طويل. أمل لا يُنكر الواقع، لكنه يرفض أن يستسلم له بالكامل.

ثلاثة أعوام مرّت، ولا يزال السؤال مفتوحا، ولا تزال الطرق متعددة، لكن الثابت الوحيد هو أن الإنسان، مهما أثقلته الحرب، يظل يبحث عن طريق للعودة، ليس فقط إلى المكان، بل إلى ذاته، إلى ذلك الجزء الذي لم تكسره الأيام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى