مقالات

أم روابة.. (مدينة النيم والناس القيافة) تعود الى حضن الوطن 

بقلم :بروفيسور التيجاني عبد القادر حامد

 

من الأخبار السارة في الأسابيع الماضية أن القوات المسلحة السودانية استطاعت-بعد عناء شديد- أن تدخل مدينة أم روابة في شمال كردفان وتحررها من مليشيا الدعم السريع التي استباحتها- قتلاً ونهباً وترهيباً- منذ اندلاع الحرب قبل عامين. وتبين من معلومات العسكريين أن هذه المدينة تحتل موقعاً استراتيجياً حاكماً، وأن الاستيلاء عليها سيؤمن طرق الامداد، وسيعزز الموقف العسكري في غرب كردفان، وسيفتح الطريق الى مدينة الأبيض والتي من خلالها سيتم تعزيز الموقف الدفاعي في مدينة الفاشر حيث توجه الضربة الأخيرة للمليشيا الإرهابية. هذه المدينة اذن هي بموضع “السرة” في بطن السودان.

أم روابة هي المدينة التي ولدت فيها الميلاد الثقافي الأول؛ وظللت أحن إليها وتحن على “حنو المرضعات على الفطيم” (كما في القصيدة المشهورة)، حيث ارتبطت في ذهني بأيام الصبا الباكر. مدينة هادئة آمنة، جئتها لأول مرة في خريف عام 1962. كانت الامطار تسقط غزيرة ولكن ما تلبث أن تمتصها الرمال الناعمة، ثم ينحدر ما تبقى منها نحو “حفرة حمو”- بركة ساكنة تقع شرق المدينة. كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها كميات هائلة من أشجار النيم مرصوصة بإتقان على حافة الطرقات، وأسمع فيها نقيق الضفادع، وأصاب بالملاريا، وأتعلم مبادئ الإنجليزية، وأشاهد السينما، وآكل “الأقاشيي”، وأطالع مجلات المصور وروز اليوسف وصباح الخير. كانت تلك هي المرة الأولى التي التقى فيها بزملاء من الغبشة والسميح وفنقوقة والعباسية تقلى وأم جزيرة وأم عش وشركيلا وود عشانا وهلم جرا! (وقد تبوأ معظم هؤلاء فيما بعد مقامات رفيعة في الدولة والمجتمع). على أن المدهش حقا كان طعم الماء، عذوبة لا توصف (وسمعت يومئذ أحد زملائي من التلاميذ المغرمين بجمع المعلومات النادرة- يزعم أنه في زمان الانجليز كان الحاكم العام يطلب أن تجلب له المياه من ام روابه، والله أعلم بحقيقة ذلك، ولكنى كنت أشرب من صنبور الماء مباشرة مثنى وثلاث وأجد في ذلك حلاوة!!)

أتيت أم روابة للمرة الأولى عام 1962- كما قلت- ضمن مجموعة من تلاميذ مدرسة ام دم حاج أحمد بغرض الجلوس لامتحان المرحلة المتوسطة. كان عددنا نحواً من ثلاثين قدمنا على سيارة نقل كبيرة (لوري) يتقدمنا ناظر المدرسة حسن محمد نور-معلم متميز لا يمحى من الذاكرة. ومن الطريف أنه ما أن وصلنا المدينة قبل يومين من موعد الامتحان إلا أن اكتشف السيد الناظر اثناء لقاءاته مع رصفائه من المدارس الأخرى أنه لم يغط جزءاً من مقرر اللغة العربية. كتم السيد الناظر غيظه وجمعنا على عجل في غرفة كبيرة وأخذ يشرح لنا درساً عن “نائب الفاعل”. كان الأمر محبطاً لأننا كنا نفضل أن نأخذ جولة حول المدينة، لا أن نقبع في حجرة ليحدثنا عن متى يحذف الفاعل ولماذا يحذف لينوب عنه نائب. ولكن لحسن حظنا لم يرد في الامتحان سؤال عن نائب الفاعل، غير أنه ظل ينتابني نوع من الحساسية حينما يذُكر “نائب” الفاعل!

اجتزت بحمد الله امتحان القبول ضمن أربعين تلميذ فقط (وعاد بقية التلاميذ-بحرقة- من حيث أتوا)، ولكن كان على المقبولين أن ينتظروا قرار لجنة القبول ليروا ما إذا كان أحدهم سيقبل بالداخلية، وما إذا كان عليه أن يدفع مصاريف دراسية أم يقبل مجاناً. وبينما كنا وقوفاً في حالة من الترقب والخوف فاذا بمدير المدرسة الوسطى-الرجل الضخم-(أظنه كان يسمى أبو تركي) يصعد على مقعد مرتفع ويحيط به من كل اتجاه جمع غفير من أولياء أمور الطلاب وهو يقول لهم غاضباً وبأعلى صوته: ما عاوز واحد يجيني في البيت ومعاه خروف، ولا صفيحة سمن، ولا كذا ولا كذا. لم أفهم مناسبة ذلك الحديث الغاضب ولكن عرفت فيما بعد أن المدينة ومن حولها من القرى كان بها تجار أغنياء، وكان بعض العامة من الناس يظن أن أبناء الأغنياء لم يتقدوا على أبنائهم إلا عن طريق الرشوة، ولذلك فما على أحدهم إلا أن يقدم “هدية” الى المسئولين فيجد أبنه فرصة للقبول. كانت هناك ندرة في المدارس ورغبة في التعليم، وكانت مدرسة ام روابة الوسطى ثانية اثنين في مديرية شمال كردفان.

مباني المدرسة كانت-من حيث مكاتب المعلمين وفصول الدراسة وعنابر السكن الطلابي- من أجمل ما رأيت، وتزيدها جمالاً أشجار النيم الوارفة المتناثرة. تسير المدرسة على نظام الاعاشة الكاملة-فهي مدرسة “أميرية”، ولا أتذكر أنى كنت أحتاج إلى نقود ولا احتفظ إلا بالقليل منها (كانت العملة المتداولة بيننا آنذاك القرش والتعريفة). كانت المدرسة تهتم بمهارة التحدث والخطابة والتمثيل، فكانت لنا جمعية أدبية ومسرح تعرض فيه فنون من الدوبيت والتمثيل والإلقاء. أما الرياضة فكانت تنال حظاً كبيراً من الاهتمام، وحينما يعلن عن مباراة بين الهلال والمريخ يوضع راديو بطارية ضخم في الصالة فيستمع الطلاب الى صوت المذيع (طه حمدتو، على ما أظن) في صمت شديد، ومن يحدث ضوضاء يسجل أسمه في قائمة المهرجين فيرفع لعثمان أفندي-ضابط الداخلية الصارم- فيعاقب.

وكانت ام روابة مدية تجارية-سياسية، فقد تظاهرت ضمن من تظاهر من المدن في ثورة أكتوبر 1964. كانت المظاهرات تنطلق من مدرستنا، سمعنا أن الشرطة أطلقت النار على طالب في جامعة الخرطوم، فخرجنا للتظاهر ليلاً ثم التف حولنا بعض شباب المدينة يقودهم ود السماني-صاحب فرن عتيق- وهو يهتف: نموتوا كلاب مع الطلاب، وخطب في جمعنا السيد شاع الدين من أعيان المدينة المثقفين. وبعد نجاح الثورة زار المدينة من السياسيين الدكتور الترابي، وألقى محاضرة جماهيرية كبيرة في حوش حسن علام. كان الشاب آنذاك ميرغني عبد الرحمن من أعيان المدينة ومن رموزها الإسلامية، يجوب شوارع المدينة على سيارة مكشوفة ويدعو من مكبرات الصوت إلى محاضرة الترابي قائلاً: تستمعون اليوم إلى الرجل الذي فجر ثورة أكتوبر.

كان المعلمون على درجة عالية من المهنية والتميز والجدية، فدرسنا على أيديهم اللغة العربية (النحو الواضح والبلاغة الواضحة لعلى الجارم، تدريس الأستاذ المقتدر عبد الرحمن محمد سعيد (فداسى)، وتعلمنا مبادئ الإنجليزية فكنا نحفظ الكلمات على ظهر قلب حتى ريدر سيكس، ونضرب عليها بسياط النيم-ضرب غرائب الابل!)، وكنا ندرس بعضاً من تاريخ المهدية (يدرسه الأستاذ السويكت صاحب العجائب)، والمدنيات الإسلامية، وجغرافية الأراضي الجديدة (أي الولايات المتحدة) وكنا نجتهد في حفظ أسماء انهارها ومدنها وبحيراتها الخمسة، وأماكن زراعة القطن والقمح، ومناطق صناعة الصلب، وكنت أرى أحد أصدقائي يتعب نفسه في حفظ أسماء العواصم العالمية، فتراه يردد بصوت عال: ريو دي جانيرو عاصمة البرازيل، سدني عاصمة استراليا. كنت مثله أحب مادة الجغرافيا ولكن لم تكن لي مثل قدرته في الحفظ.

والحديث عن ام روابة ومدرستها الوسطى-في الستينات- يطول، ولكن وأنا أعود بالذاكرة الى الوراء-بعد سنوات طويلة في التدريس والبحث- أخذت تتداعى إلى ذهني ملحوظات صغيرة أضعها هنا لمن يهمه الأمر. أولاً: كانت المدرسة بمثابة واحة مفصولة جغرافياً واجتماعياً عن القرى التي أتينا منها وعن المدينة التي أتينا إليها. ثانياً: كانت المدرسة كخزانة كبيرة للمعلومات-في وقت لم يوجد فيه تلفزيون أو كومبيوتر أو هواتف جوالة- فكان الاهتمام منصباً على ضخ الكلمات والأسماء والمعلومات. أما المعلومات على علاتها فلم تكن مرتبطة بسياق محلى-سواء السياق الجغرافي أو الثقافي-الاجتماعي. فرغم أنه كانت تقدم لنا مادة كثيفة عن خرائط العالم ومواقع المدن والانهار، إلا أنه لم يُقدم لنا درس واحد عن مدينة أم روابة التي كنا نسكن فيها، فلم نتعرف على موقعها الجغرافي، وعلاقتها بالصحراء في الشمال والجبال في الشرق، ولم نتعرف على مصادر مياهها العذبة التي كنا نستمتع بها، ولم سُميت بهذا الاسم. كما لم تُتح لنا فرصة لنتعرف على من كان يسكنها من الناس، وماذا فيها من صناعات وزراعات وتجارات. ورغم أن مدينة ام روابة كانت من أكبر أسواق المحاصيل الزراعية- السمسم والصمغ العربي والفول السوداني والكركدي- ألا أن تلك المحاصيل على أهميتها لم تجد مساحة في مقرراتنا الدراسية التي كانت مشغولة بمواطن زراعة القمح والقطن في الولايات المتحدة، وبنهر الميسيسبي والبحيرات الخمس وصناعة الحديد في ديترويت وريو دى جانيرو عاصمة البرازيل!

وفى المحصلة النهائية كانت معلوماتنا عن العالم تزداد، ولكن “الفجوة” بيننا وبين مجتمعنا المحلى-ناساً وأشياء وعلاقات- كانت تزداد أيضاً. ازداد احساسنا بالعالم الخارجي الكبير، ولكن “حسنا الاجتماعي” لم يكن ينمو كثيراً، ولم تصبح “المسئولية الاجتماعية” جزءاً من تكويننا الثقافي. كان ينبغي أن يقال لنا-على سبيل المثال- أنه لا يوجد شيء في الحياة يُعطى “مجاناً”، وأن ما نتمتع به “مجاناً” من وجبات وخدمات وكراسات وكتب كان له “ثمن” دفعه مزارعو السمسم والفول البسطاء، فينبغي أن نتعرف عليهم، وأن نشكرهم، وأن نشعرهم بأن هذه “الفاتورة” دين مؤجل في رقابنا سنرده في يوم من الأيام.

لم يكن المقرر الدراسي يركز على مفاهيم التطوع والعمل الجماعي والمشاركة والتعلم عن طريق الممارسة والتعلم من المجتمع. لم أر طيلة السنوات الأربع التي قضينا في تلك المدرسة تلميذاً يشارك في إطفاء حريق أو تشييع جنازة (وكنا نرى في كل أسبوع منزلاً من القش يحترق، وشخصاً من الناس يُشيع إلى المقابر). هذا النوع من التعليم-على جودته العلمية- يعزز بصورة غير مباشرة نزعة فردية مع رؤية نفعية للحياة وتعال على المجتمعات المحلية، وينعكس ذلك في صور من الاستهانة بالممتلكات العامة والحرص على الحقوق “المجانية”، مع اغفال الواجب الوطني، إلى غير ذلك من السلوكيات التي بلغت ذروتها في العروض الاجرامية التي نرى نماذج منها فيما تقدمه الآن قوات الدعم السريع وهي تجتاح المدن فتدمر آبار المياه والصيدليات ومراكز غسيل الكلى وتنهب الطواحين وتدمر محولات الكهرباء وتقطع الأسلاك الناقلة للتيار الكهربائي-مما يشير الى أن حصوننا مهددة من الداخل، وأن أسرنا ومعابدنا ومدارسنا ليست على ما يرام.

ملحوظة أخيرة:

يشير الروائي النيجيري الشهير-شينوا آجيبىي- في مذكراته أنه حينما كان تلميذاً صغيراً في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي كان يتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة بقرية أوغيدى. أراد مدرس الجغرافيا ذات مرة أن يغير الروتين، فطلب من التلاميذ أن يجلسوا خارج الفصل تحت شجرة من أشجار المانجو، وأخذ يشرح لهم درساً يتعلق بجغرافية بريطانيا العظمى. فما كان من مجنون القرية (the village mad-man) وقد كان يقف قريباً من شجرة المانجو يستمع إلى الدرس، ما كان منه إلا أن تقدم نحو المدرس وخطف منه الطبشورة ثم مسح ما كان من بيانات على السبورة وأخذ يلقى على التلاميذ درسا مطولا عن قرية أوغيدى التي أتوها من القرى المجاورة. يقول الأستاذ شينوا في تعليقه على تلك الحادثة أنه صار-حينما يعود بالذاكرة الى الوراء- يدرك أن من كان يدعى بمجنون القرية قد توفر له “وضوح في الرؤية” جعله أول من يدرك شذوذ الحالة التعليمية في نيجريا، أراد ذلك “المجنون” أن يقول “للعقلاء” إن التلاميذ لا يحتاجون فقط إلى التعليم الذى يضعه المستعمر، وإنما يحتاجون أيضا لمعرفة تاريخ وحضارة مجتمعاتهم المحلية. (أما في حالتنا نحن فلم يسعفنا الحظ فيدخل علينا أحد “المجانين”!) ولا قوة إلا بالله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى