
أوسمة الاستحقاق في زمن الحرب رجال دولة صنعوا الإنجاز كلام سياسةالصافي سالم
أوسمة الاستحقاق في زمن الحرب رجال دولة صنعوا الإنجاز
كلام سياسةالصافي سالم
في تاريخ الدول، لا تُقاس قيمة الرجال بكثرة المناصب التي تقلدوها، ولا بعدد السنوات التي قضوها خلف المكاتب، وإنما بما يتركونه من أثر عندما تضيق الخيارات وتصبح المسؤولية الوطنية امتحاناً حقيقياً للقدرة على الإدارة واتخاذ القرار.
والسودان، وهو يعبر واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، كشف لنا عن رجال ومؤسسات عملوا في ظروف استثنائية، وتحملوا مسؤوليات جسيمة، وكانت لهم بصمات تستحق أن تُذكر وأن تخضع للتقييم المنصف بعيداً عن ضجيج السياسة واختلاف المواقف.ومن هنا، أجد نفسي أمنح معنوياً ثلاثة أوسمة ذهبية ونجمة رابعة لرجال ومؤسسات أرى أنهم قدموا نماذج جديرة بالتقدير في الإدارة والعمل والإنجاز.
الوسام الأول من الطبقة الأولى الذهبية.. الفريق محمد الغالي
أضع الوسام الأول على صدر الفريق محمد الغالي علي يوسف، الأمين العام السابق لمجلس السيادة الانتقالي، تقديراً لما بذله من جهد إداري في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الدولة السودانية، خاصة في الأيام الأولى للحرب، حين اضطربت مؤسسات كثيرة وأصبحت المحافظة على استمرارية الدولة نفسها مسؤولية ثقيلة.واليوم، وبعد استعادة مؤسسات الدولة في ولاية الخرطوم، تظهر أمامنا صورة أخرى تستحق الوقوف عندها، وهي ما شهدناه من أعمال تأهيل وتطوير لمباني القصر الجمهوري، حتى عاد هذا الصرح السيادي ليستقبل مراسم اعتماد السفراء في حلة تليق بمكانته ورمزيته الوطنية.القصر ليس مجرد مبنى من الحجر؛ إنه أحد رموز الدولة السودانية وهيبتها وذاكرتها السياسية. وعودة الحياة الرسمية إليه تحمل رسالة بأن مؤسسات الدولة تستطيع النهوض مجدداً، وأن ما دمرته الحرب يمكن أن تعيده الإرادة والعمل والإدارة.ولهذا يستحق الفريق محمد الغالي كلمة وفاء، لأن الرجال يُعرفون أكثر عندما تصبح المسؤولية عبئاً لا امتيازاً، وعندما يكون المطلوب منهم أن يحافظوا على مؤسسات الدولة وسط أصعب الظروف.
الوسام الثاني من الطبقة الأولى الذهبية الدكتور جبريل إبراهيم
أما الوسام الثاني، فأمنحه إلى الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، الذي وجد نفسه أمام اقتصاد يخوض حرباً لا تقل ضراوة عن الحرب في الميدان.انتقلت مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، وتقلصت الموارد، وتعطلت قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة، وأصبحت وزارة المالية أمام امتحان بالغ الصعوبة: كيف تستمر الدولة في الوفاء بالتزاماتها وهي تواجه حرباً واسعة وتداعيات اقتصادية واجتماعية هائلة؟قد يختلف الناس حول السياسات الاقتصادية، وهذا أمر طبيعي، ولكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن استمرار مؤسسات الدولة وتمويلها والمحافظة على الحد الأدنى من تماسك الاقتصاد في ظروف الحرب كان مسؤولية شاقة.لقد أصبحت بورتسودان خلال تلك المرحلة مركزاً لإدارة الدولة، وكان على وزارة المالية أن تعمل وسط واقع استثنائي لا تحكمه قواعد الاقتصاد في الظروف الطبيعية.ولذلك فإن جبريل يستحق وساماً ذهبياً على الصمود الإداري والاقتصادي، وعلى حمل ملف بالغ الحساسية في زمن كانت فيه الدولة تقاتل من أجل البقاء والاستمرار.
الوسام الثالث من الطبقة الأولى الذهبية.مبارك أردول أما الوسام الثالث، فأضعه على صدر الأستاذ مبارك أردول، المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية. وأستحضر هنا قراراً أثار في وقته انتقادات وجدلاً واسعاً، عندما مضت الشركة في امتلاك مقرها ومبانيها. يومها نظر البعض إلى الأمر باعتباره إنفاقاً كان يمكن توجيهه إلى أولويات أخرى، لكن الحرب كثيراً ما تعيد قراءة القرارات القديمة من زاوية لم تكن حاضرة وقت اتخاذها.فالمبنى الذي تعرض قرار امتلاكه للانتقاد أصبح لاحقاً من المواقع التي استفادت منها مؤسسات الدولة في ظروف النزوح الإداري، وأصبح شاهداً على أهمية امتلاك الدولة لأصول ومقار تستطيع اللجوء إليها عندما تضيق الخيارات.الإدارة الناجحة ليست فقط إدارة يومها، وإنما أن تترك وراءها أصولاً ومؤسسات يمكن أن تخدم الدولة لسنوات مقبلة.ومن هنا فإن أردول يستحق أن يُذكر باعتباره واحداً من الذين اتخذوا قرارات ربما لم تحظَ بالإجماع في وقتها، لكن قيمتها الحقيقية ظهرت عندما تغيرت الظروف وأصبحت الدولة أحوج ما تكون إلى بنيتها المؤسسية.النجمة الرابعة.. للدبلوماسية السودانيةأما النجمة الرابعة، فهي ليست لشخص واحد، وإنما أهديها إلى رجال ونساء وزارة الخارجية والتعاون الدولي، وزيراً وسفراء ودبلوماسيين وإداريين وعاملين، تحت قيادة السفير محيي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي.لقد أصبحت الدبلوماسية خلال الحرب جبهة لا تقل أهمية عن بقية جبهات حماية الدولة؛ ففي القاعات الدولية تُصاغ المواقف، وتُبنى التحالفات، وتُدار المعارك القانونية والسياسية والإعلامية.
وفي مقدمة الأسماء التي برزت على هذه الجبهة يأتي السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي ظهر في المحافل الدولية مدافعاً عن موقف بلاده، ومقدماً خطاب السودان أمام المجتمع الدولي في مرحلة شديدة التعقيد.إن العمل الذي تقوم به الخارجية لا ينبغي اختزاله في خطاب أو اجتماع؛ فالدبلوماسية تراكم طويل من الاتصالات واللقاءات والمذكرات والتحركات التي تهدف إلى حماية مصالح السودان وإيصال رؤيته إلى العواصم والمنظمات الدولية.
وتضاف إلى ذلك خطوات مؤسسية مهمة في تطوير البعثات السودانية بالخارج، ومن بينها المقر الجديد للقنصلية العامة لجمهورية السودان في جدة، وهو مشروع يحمل قيمة تتجاوز المبنى نفسه إلى تحسين بيئة العمل القنصلي وتقديم الخدمات للسودانيين بصورة تليق باسم بلادهم.إن تطوير مقار السودان الدبلوماسية ليس ترفاً، وإنما جزء من هيبة الدولة وصورتها أمام مواطنيها والعالم.
الأوسمة الحقيقية يكتبها التاريخ هذه الأوسمة ليست قرارات رسمية، وإنما أوسمة معنوية من مواطن وإعلامي سوداني يرى أن من واجب الكلمة أن تنتقد عندما يكون النقد ضرورياً، وأن تقول للمحسن أحسنت عندما يكون الإنصاف واجباً.
فالأوطان لا تُبنى بالنقد وحده، كما لا تُبنى بالمديح المجاني، وإنما بتقييم التجارب وحفظ حقوق الرجال والمؤسسات التي أنجزت في أصعب الظروف.
الفريق محمد الغالي، والدكتور جبريل إبراهيم، والأستاذ مبارك أردول، ورجال ونساء الدبلوماسية السودانية بقيادة السفير محيي الدين سالم، وفي مقدمتهم في جبهة الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس؛ نماذج تستحق أن تُقرأ تجربتها بميزان الإنجاز والمسؤولية.
لقد أتت الحرب على الكثير، لكنها كشفت أيضاً معادن الرجال.
وعندما تضع الحرب أوزارها، ويبدأ السودان كتابة صفحات مرحلة ما بعد الحرب، فإن التاريخ لن يسأل فقط: من كان يتحدث؟ بل سيسأل السؤال الأصعب والأكثر عدلاً:من عمل عندما تعطلت الحياة؟من حافظ على مؤسسات الدولة عندما اهتزت الأرض تحت أقدامها؟ومن ترك خلفه إنجازاً بقي واقفاً عندما سقط الكثير من حوله؟هناك فقط تُمنح الأوسمة الحقيقية…
أوسمة لا تصنعها المجاملة، بل يصنعها العمل، ويحفظها الوطن، ويكتبها التاريخ.