
إقرار الإمارات بعدم شرعية المليشيا
خبر وتحليل
عمار العركي
▪️في المشهد السوداني الذي يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي والدولي، أصبح من الواضح أن العديد من الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها أبوظبي، لا تتحرك وفقًا لمحددات الموقف السوداني الداخلي، بقدر ما تنطلق من رؤيتها للأمن الإقليمي وطموحاتها السياسية وتحالفاتها الدولية. إن قراءة البيان الإماراتي في مؤتمر لندن خاصة الٌرار الإماراتي بعدم شرعية “التصور الثنائي” الجيش السوداني وميلشيا الدعم السريع، لا يمكن أن تُختزل في أبعاد ثنائية أو مصلحية مباشرة، بل تقتضي التعمق في منطق التفكير الاستراتيجي لأبوظبي. في ضوء هذا التحليل، تظهر ملامح ما يعرف بـ “التصور الثالث” لمستقبل السودان، الذي تسعى بعض الأطراف لفرضه كأمر واقع بعيدًا عن إرادة السودانيين ومؤسساتهم الوطنية.
*_انقلاب على الحليف الميداني_ ؟*
▪️منذ البداية الإمارات راهنت على حميدتي ومليشياه على مدار سنوات، وجدت نفسها اليوم في مواجهة واقع جديد. كان الدعم الإماراتي للمليشيا ركيزة استراتيجية لبسط نفوذها في المنطقة، سواء في ليبيا، اليمن، أو من خلال محاولتها جعل السودان بوابة للتأثير في القرن الأفريقي. لقد تم استثمار هذا الحليف في عدة جبهات إقليمية، لكن الآن، مع تصاعد الانتهاكات الموثقة واتهام المليشيا بارتكاب فظائع إنسانية في دارفور وجرائم في الخرطوم، بات هذا الدعم عبئًا على الإمارات من الناحية الأخلاقية والدبلوماسية. وبذلك، فإن إعلان الإمارات بعدم شرعية المليشيا والتبرؤ منها لا يعكس فقط تحولًا في الموقف، بل هو محاولة للهروب من تبعات دعم مشروع فشل في تحقيق الأهداف المرجوة، بل وأصبح يشكل تهديدًا لسمعتها الدولية.
*_الاعتراف بفشل الرهان_*
▪️من الناحية الاستراتيجية، يعتبر التبرؤ الإماراتي بمثابة اعتراف ضمني بفشل الرهان على المليشيا كأداة فاعلة لتعزيز النفوذ الإماراتي في السودان. الفشل العسكري للمليشيا في حسم المعركة مع الجيش السوداني رغم الدعم الهائل الذي تلقته، وكذلك فشلها في كسب التأييد الشعبي الدولي والمحلي، دفع أبوظبي إلى إعادة النظر في دعمها لهذه المليشيا. أضف إلى ذلك تآكل الصورة التي حاولت الإمارات تسويقها للمليشيا بوصفها “شريكًا مدنيًا” في المرحلة الانتقالية في السودان. هذه الصيغة تبخرت بسرعة مع تسرب تقارير توثق الجرائم المرتكبة تحت اسم المليشيا، مما جعل الدعم الإماراتي لها غير قابل للدفاع عنه على الساحة الدولية.
*_الإمارات تُعيد تموضعها… لا مبادئها_*
▪️إذا كان من الواضح أن الإمارات قد اختارت الآن التبرؤ ، فإن هذا التغيير في الموقف ليس نتيجة تحول مفاجئ في المبادئ، بل هو استجابة لضرورات تكتيكية استباقية. الإمارات تدرك جيدًا أن ملف السودان آخذ في التدويل القانوني والسياسي الخانق ، وأن المجتمع الدولي قد بدأ بالفعل في إعادة ترتيب تحالفاته، مما يعنى أن استمرار دعم المليشيا سيكون عبئًا قانونيا وسياسيًا تداعياته خطرة على أبوظبي. لذا، فإن خطوة الإمارات ليست سوى محاولة للهروب من تبعات هذا الدعم على حساب سمعتها، مع الإبقاء على خياراتها مفتوحة في المستقبل في حالة تطور الأوضاع في السودان. بهذه الطريقة، تسعى الإمارات إلى تحييد نفسها عن التحالفات العسكرية المثيرة للجدل في السودان، وهي حركة تكتيكية بحتة، وليست تعبيرًا عن تحول في قناعاتها السياسية.
*_رسائل للإقليم والعالم_*
▪️تصريحات “لانا نسيبة”، مندوبة الإمارات في الأمم المتحدة، كانت بعناية موجهة إلى عدة أطراف إقليمية ودولية. بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، كانت الرسالة مفادها أن الإمارات تسعى لتكون طرفًا مسؤولًا في القضية السودانية، ترفض عسكرة الدولة، وتؤيد التحول المدني وفقًا للقانون الدولي. أما بالنسبة لمصر والسعودية، فكانت الرسالة التي حملتها تصريحات الإمارات هي أن موقفها أصبح أكثر حيادية، وأنها لن تنحاز لأي طرف بشكل علني في النزاع السوداني. إضافة إلى ذلك، الظهور بمظهر التحذير والضغط من خلال رسالة موجهة إلى الميلشيا ، وهي أن “ورقة التوت قد سقطت”، مع تحذير واضح بأنه في حال استمرار الانتهاكات أو التصعيد، فإن الإمارات قد تكون مضطرة إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا ضدها.
*_مشهد ثالث… بمواصفات دولية؟_*
▪️ربما الأكثر إثارة في هذا التبرؤ الإماراتي هو الخوف من خلق “المشهد الثالث” في السودان. وهو ليس مشهداً قائمًا بين الجيش والمليشيا ، بل مشهداً يروج له بعض اللاعبين الدوليين الذين يسعون لتجاوز الصراع القائم، بل تجاهل الجيش والمليشيا لصالح فرض حلول مدعومة من الخارج، الإمارات، ومن خلال هذه المناورة، تتجه نحو دعم صيغة من الترتيبات السياسية التي قد تشمل “واجهات مدنية” تخدم أهداف الاستقرار على المدى القصير وفقًا للرؤية الدولية، لكنها في الواقع قد تفضي إلى فراغ سياسي وأمني يعزز الفوضى على المدى الطويل. هذه المحاولات قد تكون شبيهة بتجارب ليبيا وسوريا، التي أظهرت كيف أن الحلول المقررة دوليًا لا تؤدي إلى استقرار حقيقي بل إلى تعميق الأزمة.
*_خلاصة القول ومنتهاه_*
▪️تبرؤ الإمارات من المليشيا يُعد خطوة استباقية للابتعاد عن تحالف سياسي وعسكري أصبح عبئًا على سمعة أبوظبي في الساحة الدولية. لكن الأهم من ذلك هو أن هذا التحول ليس عن قناعة أخلاقية بل استجابة لضغوطات دولية ومحاولات لحماية المصالح الإماراتية في إطار النظام الدولي المتغير. إن هذا التغيير في الموقف يكشف عن حجم التناقضات السياسية التي تتحكم في تحركات الإمارات، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التبرؤ سيسهم في خلق حل حقيقي ، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية إماراتية للخروج من عنق الزجاجة ومستنقع السودان ، الذي بات يهدد ويزلزل عرش الإمارات الإقليمي والدولي .