الأعمدة

اتحاد الصحفيين السودانيين… الانتقائية التي تهز الثقة بقلم: محمد عثمان الرضي

اتحاد الصحفيين السودانيين… الانتقائية التي تهز الثقة

بقلم: محمد عثمان الرضي

✦ لا تُقاس قيمة الاتحادات والنقابات المهنية بعدد بياناتها ولا بضجيج حضورها الإعلامي، وإنما تُقاس بمدى قدرتها على الدفاع عن جميع منسوبيها بالقدر نفسه، دون تمييز أو انتقاء أو مفاضلة.

✦ ومن هذا المنطلق، يظل أداء الاتحاد العام للصحفيين السودانيين (المنتهية ولايته) محل تساؤل مشروع داخل الوسط الصحفي، في ظل ما يراه كثير من الصحفيين تفاوتًا في التعاطي مع القضايا التي تمس زملاء المهنة.

✦ فحين يتعرض بعض الصحفيين للاعتقال أو الملاحقة القانونية، يغيب صوت الاتحاد بصورة تثير الاستغراب، بينما يتحرك سريعًا في حالات أخرى، بإصدار البيانات وإجراء الاتصالات وبذل الجهود من أجل إطلاق سراح بعض الصحفيين.

 

 

✦ القضية ليست في حق الاتحاد في إصدار البيانات، وإنما في ثبات المعيار، لأن العدالة النقابية لا تعرف الانتقائية، والحقوق لا ينبغي أن تُمنح وفقًا للأشخاص، وإنما وفقًا للمبدأ.

 

 

✦ إن الاتحاد الذي يمثل الصحفيين جميعًا مطالب بأن يجعل من المساواة قاعدة ثابتة، لا استثناءً تحكمه الظروف أو الاعتبارات.

 

 

✦ فالصحفي، أيًّا كان موقعه أو انتماؤه أو آراؤه، يستحق القدر نفسه من الحماية المهنية والمساندة النقابية متى ما تعرض لأي أزمة تتصل بعمله.

 

 

✦ وإذا شعر بعض الصحفيين بأنهم خارج دائرة الاهتمام، فإن أول ما يتضرر هو الثقة في المؤسسة النقابية نفسها.

 

 

✦ لذلك، فإن الانتقائية متى ما ترسخ الانطباع بوجودها تصبح عبئًا على الاتحاد أكثر من كونها عبئًا على الأفراد.

 

 

✦ لقد واجه الصحفيون السودانيون خلال سنوات الحرب أوضاعًا استثنائية، شملت الاعتقال، والنزوح، وفقدان مصادر الرزق، وإغلاق المؤسسات الصحفية، والملاحقات القانونية، وهي ظروف كانت تستوجب حضورًا نقابيًا استثنائيًا.

 

 

✦ وكان المنتظر أن يجد كل صحفي، دون استثناء، من يقف إلى جانبه، ويوفر له الدعم المعنوي والمهني والقانوني في حدود ما تسمح به إمكانات الاتحاد.

 

 

✦ إلا أن كثيرًا من الصحفيين يرون أن هذا الحضور لم يكن متوازنًا، وأن بعض القضايا حظيت باهتمام واسع، بينما مرت قضايا أخرى في صمت كامل.

 

 

✦ وهذا التفاوت هو الذي أوجد حالة من الإحباط داخل قطاعات من الجسم الصحفي، ودفع كثيرين إلى إعادة طرح الأسئلة حول طبيعة الدور الذي يؤديه الاتحاد.

 

 

✦ النقابات لا تُبنى على العلاقات الشخصية، ولا على القرب أو البعد من قياداتها، وإنما تُبنى على المساواة الكاملة بين جميع الأعضاء.

 

 

✦ كما أن الدفاع عن الصحفي لا يعني تبني آرائه أو مواقفه، وإنما الدفاع عن حقه في الإجراءات القانونية العادلة، وفي الحماية التي تكفلها الأعراف النقابية.

 

 

✦ وقد شهدت الفترة الماضية محاكمات لعدد من الصحفيين بموجب قوانين مختلفة، من بينها قانون جرائم المعلوماتية، وهو ما كان يستوجب حضورًا نقابيًا أكثر فاعلية واتساعًا.

 

 

✦ إن الدفاع عن حرية العمل الصحفي لا يكون انتقائيًا، لأن الحرية لا تتجزأ، والحقوق لا تعرف التصنيف.

 

 

✦ كما أن الاتحاد الذي يتطلع إلى المحافظة على مكانته، يحتاج إلى أن يبرهن عمليًا أنه يقف على المسافة نفسها من جميع الصحفيين.

 

 

✦ ولا شك أن استمرار الجدل حول انتهاء الدورة التنظيمية للاتحاد يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تجديد مؤسساته عبر جمعية عمومية وانتخابات حرة وشفافة.

✦ فالشرعية النقابية تستمد قوتها من القاعدة الصحفية، وتتجدد بإرادتها الحرة، وليس بأي وسيلة أخرى.

✦ إن المرحلة الراهنة تتطلب اتحادًا أكثر قربًا من هموم الصحفيين، وأكثر قدرة على توحيد الصف المهني، بعيدًا عن كل ما يثير الإحساس بالتمييز أو المفاضلة.

✦ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإعلاء قيمة العدالة والمساواة في كل موقف، وكل بيان، وكل تحرك.

✦ فالمؤسسات الكبيرة تُحترم عندما تكون مع الجميع، لا مع بعضهم.

✦ كما أن التاريخ النقابي لا يخلد البيانات، وإنما يخلد المواقف التي انتصرت للمبدأ.

✦ والوسط الصحفي السوداني زاخر بالكفاءات والخبرات، ويستحق اتحادًا يعبر عن جميع مكوناته، ويحمل همومهم دون تفرقة.

✦ إن النقد الذي يوجه اليوم إلى أداء الاتحاد ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه دعوة للمراجعة والتقويم، لا بوصفه خصومة مع أحد.

✦ فالمراجعة الصادقة هي الطريق الأقصر لاستعادة الثقة، وتعزيز وحدة الجسم الصحفي.

 

 

✦ ويبقى تجديد مؤسسات الاتحاد عبر الوسائل الديمقراطية هو الخيار الطبيعي الذي يكفل مشاركة الجميع، ويمنح القيادة القادمة تفويضًا حقيقيًا من القاعدة الصحفية.

 

 

✦ فالصحفيون لا ينتظرون من اتحادهم امتيازات خاصة، وإنما ينتظرون موقفًا عادلًا، ثابتًا، ومتوازنًا، يجعلهم جميعًا سواسية أمام مظلته النقابية.

 

✦ وعندما تغيب الانتقائية، يحضر العدل، وعندما يحضر العدل، تستعيد النقابة هيبتها، ويستعيد الصحفيون ثقتهم في مؤسستهم، وتنتصر المهنة التي تستحق أن يدافع عنها الجميع، دون استثناء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى