مقالات

احذروا الفتن …فالتاريخ يعيد نفسه

للشريف يوسف الهندي كتاب مخطوط من عشر كراسات (عشرة مجلدات) سماه (تاج الزمان في تاريخ السودان) عن تاريخ السودان وجغرافيته وقبائله…وهوأعظم كتاب يمر على المكتبة السودانية بشهادة المؤرخين والكتاب والأدباء الذين وقفوا عليه من أمثال المؤرخ محمد عبدالرحيم صاحب ( نفثات اليراع) وحسن نجيلة وعرفات محمد عبدالله.. وكانت أمنية الحياة لأستاذنا الطيب محمد الطيب أن يحققه ومالت إلى ذلك طموحات شيخنا بروفيسور يوسف فضل…ولكن( لكل أجل كتاب) رأينا هذا الكتاب وقلبنا صفحاته…
واستلَّ منه الشريف مخطوطا نفيسا في تاريخ الأدب سماه (الشعر والغنا في السودان) ذكر فيه المسادير وأشعار الحماسة والمراثي وغير ذلك بمناسباتها…لم أطالع أمتع واعمق منه.. ومعي مخطوطته الوحيدة. وسانقل منها نصوصا واترك التعليق والعبرة للقارئ الكريم وهي نصوص عويصة ..شرحها يطيل المقال…
يقول المؤلف عن الحروب التي وقعت في البطانة وغيرها بسبب المرعى والماء : “كان منشأ كل الفتن من الأناقيب-أعني الغنايين- [الشعراء] الواحد منهم ينطق بلسان القبيلة ولسان سلطانها فيهيج قبيلة أخرى وسلطانها على الحرب والخراب”
وذكر حرب( الروَّقن) بين الشكرية والركابية وجيش سنار.. وحرب الطرق والحمران والكواهلة والطوال والجعليين والسلطنة والجعليين والاتراك وووووووو
وقال في أخبار الأمين ود مسمار وحروب العبدلاب:
“كان كلام الاناقيب[الشعراء] على ملوكهم وشجعانهم وكلام الأبطال على أنفسهم من مثيرات النفوس ومسببات الحروب التي يخوضها أهل السودان مستعذبين زؤام الموت غير مكترثين بالعواقب…واول بيت قيل في التحريض والحماسة ماقاله الأناقيب يحرضون به المك (بادي) على قتل إبراهيم ولد أبولكيلك وهو :
أنضف من الدبلان خاتي اللَّكِن
تشبه جمال العاج في مبركِن
جَنَّك جموع من جاي قوم فرِّكن
وكت بديت الكي سوي المكِن…
(الدبلان كان من أفضل ثيابهم يستورد من الهند.. وجمال العاج هي الافيال…)
فقتل بادي ابراهيم ود ابولكيلك..فلما قام رجب أخوه للأخذ بثأر أخيه قال له شاعره :
قام من الابيض ونحاسو طقَّ
خيولو عطعطن و لباسو بقَّ
فحل الهدودة الما قالوا لقَّ
ترا جملي البشيل رحلي الموقَّى
فقتل الشيخ الامين ود مسمار الشيخ رجب…فجاءه رؤساء الشكرية ليرحلوه إلى داخل البطانة لانه كان في عدد قليل ليس معه إلا سبعة عشر حصانا… وجيش سنار المتوجه نحوه في سبعمائة عديلة( حصان مجهز)…فجاءته بنته ام كلثوم وكانت شاعرة (ضكرية..ولها كنية مشهورة فقالت له :
كان لي الشكاري سارحه بي إبلا
وإن كان ليك إنت القومه بطلا
وكان لي ام كلتوم نقرت شليشلا
تيتب دار عجيب وقف جليجلا
قلت : فشالتو الهاشمية وأقسم ألا يقوم من مكانه حتى يقوم معه تراب الأرض.. فكانت وقعة الهلالية المشهورة التي انهزم فيها جيش سنار وعبروا النيل الازرق هاربين فقالت فيها أم كلثوم :
انا ابوي فاعوصهم كم كمَّل في روسهم
اتفرتق ناموسهم وكروا الحوت في لبوسهم
وقالت:
الشيخ اللمين نقارتو حربية ومن قومة الجهل ماعرَّب الدَّيَّه
سوالهم كتال قبل الهلالية سبعطاشر حصان سكَّن سبعميه
ولما مر المؤلف بغزو الأتراك للسودان قال في كلام طويل موجع : “ولما أظل البلد خبر مجيء إسماعيل باشا ومافعله مع الشايقية حتى اوقفوه من التقدم بضعة اشهر ..واجتمعت كلمة المك نمر والمك المساعد حتى صاروا كرجل واحد. واستعدوا للطوارئ وتحدث الناس في التسليم للترك القادمين وفي الحرب واكثروا في ذلك فقال انقيب(شاعر) المك نمر شعرا:
سموك النمر وفيك تلات فيات.
ترقد في الشمس مابتدخل البيَّات
فوق درب الخصيم تنصر سبع طيات
وينجض في عيونك اللحم شيَّات
…………………
إلى ان يقول :
يا ارباب بحكيلك حكاية الطاعوا
بانت عليهم الذلة وحت جناهم باعوا
الحي ما استتار والمات رقد بي اوجاعو
ياكلوا فيهم الاتراك متين ما جاعوا
وبهذه الاشعار اللعينة صمم المك نمر وابن خاله المساعد على العصيان…” قال( اللعينة) لأن الاتراك بطشوا بالجعليين وكادوا ان يفنوهم عن آخرهم..
وقال الشريف عن نزول المك نمر جهة اب حراز لما انحاز من الاتراك في واقعة النصوب متوجها إلى الحبشة.. فسمع به سلطان الهمج محمد ود عدلان ..وكان ود عدلان قد جهز مائتي الف حصان لمحاربة الاتراك ولكن ابن عمه حسن قتله..في قصة طويلة…لكن ود عدلان قبل ان يُقتل سمع بوصول المك نمر إلى اب حراز فساق جيوشه ونزل اب حراز ايضا وطالب المك نمر بتسديد ماعليه من ديون السنوات التي عصى فيها ورفض دفع الإتاوات ، فاجتمع الجعليون على المك وحرضوه على قتال الهمج فقال الانقيب للمك نمر :
الجعلي أن لقى السهلة بتعجبو مُهُرتو
والحلاب من النزرة بصد بي عمرتو
العاقل طبيب نفسو علي الما قدرتو
يا ارباب علي النزل اب حراز بيش شرتو
فأجابه المك نمر : شرنا بالموت..
وكان الجعليون في قلة وكانت هذه الحرب ستقضي على بقيتهم لولا لطف الله وأن ودعدلان سمع بقرب جيوش الاتراك فرجع ليستعد…
هذا وقد أشار المؤلف إلى حوادث كثيرة كان الشعراء هم السبب في إشعالها كحرب الشكرية والجعليين والبطاحين بمشرع العاقر وحرب الكواهلة والطوال وحرب الشكرية والضباينة وحرب الروقن بين الشكرية والركابية وجيش سنار وحروب كردفان ودارفور والجبال..وكان الشريف يكرر : ” ماتوا في غير سبب” او قوله : “والهزيمة غير منظورة من احد الطرفين” مما يعني الفناء للمتحاربين..ونصَّ على ان اهل الله والصالحين وبعض العقلاء كانوا هم السبب في إطفاء نار كثير من هذه الحروب..
أقول : قد وضع الشريف يوسف الهندي يده على الجرح بهذه النظرة الثاقبة والتوثيق والتأريخ لأثر الشعر و الشعراء في إثارة الفتن…وكلنا يعلم أثر الشعر منذ القدم ؛ فقد كان البيت من الشعر يغير مجرى الحياة ، ويشعل الحرب ، ويرفع قبيلة ويحط اخرى ، وينبه الخامل ويخمل المشهور ؛ فقد ثبت معاوية بن أبي سفيان في صفين بسبب بيت شعر بعد ان وضع رجله على الركاب وراودته نفسه على الفرار . ورفع بيت شعر للحطيئة قبيلة بني انف الناقة وحط بيت حسان قبيلة بني عبد المدان.. ونجا كعب بن زهير بقصيدة بعد ان أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه ، ونجا الحطيئة من حبس الفاروق وقطع لسانه بشعره …
فالفتنة نائمة لعن الله من يوقظها..وكما قال أهلنا : ( البِلِد الفتن لابد يلولي جناهن)…فهل نتعظ؟؟
اللهم فاشهد !!
إبراهيم القرشي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى