الأعمدة

افكار  لميس أدهم  حين تنكس الأعلام… وتبقى المواقف مرفوعة

افكار

لميس أدهم

حين تنكس الأعلام… وتبقى المواقف مرفوعة

ليست كل لحظات الحداد تُقاس بعدد الأيام، ولا كل الخسارات تُختزل في كلمات النعي. فهناك رجال، حين يرحلون، يخفت شيء من ضجيج العالم، ويخيّم صمت مهيب، كأن الزمن نفسه يقف احتراماً لسيرتهم.

 

هكذا بدا المشهد مع رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. لم تكن الأعلام المنكسة وحدها من أعلنت الحزن، بل بدت السماء أكثر وقاراً، والشوارع أكثر صمتاً، وحتى الألوان فقدت شيئاً من بريقها، وكأنها تشارك الناس ألم الفقد. كان الحزن حاضراً في الوجوه قبل الكلمات، وفي الدعوات قبل الخطب، لأن الراحل لم يكن قائداً لبلاده فحسب، بل كان قيمة إنسانية تركت أثرها حيثما امتدت يداه بالخير.

 

ولعل أصدق ما يختصر سيرته قوله: “وسيظل قلبي نابضاً بحب هذه الأرض وأهلها.” لكنها كانت أرضاً اتسعت في وجدانه حتى شملت كل أرض أنهكها الألم، وكل شعب أنهكته الحروب. فقد كان يؤمن أن عظمة الأوطان لا تكتمل إلا حين تمتد أياديها إلى الآخرين، وأن القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منصباً أو سلطة.

 

وفي السودان، لم يكن اسم الشيخ حمد عابراً في سجل الأحداث، بل أصبح جزءاً من ذاكرة وطن. وفي دارفور على وجه الخصوص، حيث أثقلت الحرب كاهل الإنسان وأرهقت الأرض، اختارت قطر، بقيادته، أن تكون جسراً للحوار لا طرفاً في الصراع، ومنبرا للسلام لا ساحة للخلاف. ومن الدوحة انطلقت مبادرات حملت آمال السودانيين بأن للكلمة مكانا بين هدير البنادق، وللتوافق فرصة مهما طال النزاع.

 

ولم تكن تلك الجهود مجرد وساطة دبلوماسية تُسجل في الوثائق، بل كانت تعبيراً عن إيمانٍ عميق بأن السلام هو أعظم استثمار في مستقبل الشعوب. لذلك لم تقف أياديه البيضاء عند حدود الاتفاقات، بل امتدت إلى إعادة الإعمار، ودعم التنمية، ومساندة الإنسان السوداني في أحلك ظروفه، لتظل بصماته شاهدة على أن الخير هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.

 

وحين يرثيه السودانيون اليوم، فإنهم لا يرثون قائداً عربياً فحسب، بل يستذكرون رجلاً حمل هم السودان في قلبه، وآمن بأن دارفور تستحق أن تعرف السلام كما تستحقه كل بقعة أنهكتها الحروب. وسيظل التاريخ يذكر أن الدوحة لم تكن يوما مجرد مدينة استضافت المفاوضات، بل كانت بيتاً احتضن حلماً طال انتظاره.

 

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجعل ما قدّمه لقطر، وللسودان، ولسائر الإنسانية في ميزان حسناته. فالقادة الحقيقيون لا يخلدهم ما شيدوه من عمران فحسب، بل ما أعادوه إلى القلوب من رجاء، وما غرسوه في ذاكرة الشعوب من وفاء. وإذا كانت الأعلام قد نُكّست حداداً عليه، فإن مواقفه ستظل مرفوعة في صفحات التاريخ، لا تنحني أمام الزمن ولا يغيب أثرها برحيل أصحابها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى