الأعمدةتأملات

الأحزاب .. المشاركة في الحكم والمشاركة في العملية السياسية

تأملات
جمال عنقرة
استقبلت مشاركات وتفاعلات كثيرة جدا حول مقالي (الأحزاب عبر الانتخابات .. وكباشي والعطا غير مناسبين)، وأكثر هذه الاراء والمشاركات مساند للأفكار التي طرحتها، وكل أصحابها من الوطنيين الحادبين الذين يعملون بجد واجتهاد لان يتجاوز السودان واهله هذه الفترة العصيبة من تاريخهم كالحة السواد، اما القلة القليلة جدا الرافضة لما كتبت والذين لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة هم من هوام وهوامش الحياة السياسية، ليس لهم فيها تاريخ ولا نضال، ولا كسب في اي مجال من المجالات، مثلهم مثل الحمل الكندي، كثير الصياح قليل الصوف، ولعل الناس يذكرون الضجيج الذي ملأوا به الساحات بعد انتفاضة رجب أبريل ١٩٨٥م وشعاراتهم التي شوهوا بها جدران بيوت السودان (اسقطوا جبهة بقايا مايو) ولما جاءت الانتخابات سقطوا جميعا، ولم ينجح منهم احد، وخرجوا من المولد بدون حمص، وهم ذاتهم الذين يسعون بين مكاتب الحكام، ويرفلون في نعيم الفنادق، ويسعون للمشاركة في الحكم الانتقالي بدون تفويض شعبي، لأنهم يعلمون أنهم إذا احتكموا الي صناديق الاقتراع فسيكون مصيرهم ذات المصير القديم، لن ينجح احد، وهؤلاء لا خير فيهم، ولا كفاية شرهم، ولن أضيع وقتا في التعليق علي ما سودوا به بعض الصحائف، وسأمضي في تبيان موقفي الذي يسانده اكثر أهل السودان، بمن في ذلك رموز وقيادات حزبية وطنية صادقة وجادة.
فلا بد اولا ان اؤكد أنني لا يمكن ان أكون ضد مشاركة الأحزاب السياسية، ولقد كتبت مقالات كثيرة، قبل اندلاع الحرب وبعدها، بل قبل سقوط نظام الإنقاذ رفضت فيها اي عزل سياسي، ولعل الناس يذكرون برنامج (أوراق) الذي كنت أنتجه واعده وأقدمه في قناة الخرطوم الفضائية منذ العام ٢٠١٤م وكان اكثر منبر إعلامي حكومي متاح للمعارضين تحت شعار (نحو وطن يسع الجميع) ومن الذين استضفتهم من المعارضين للحكومة في ذاك الزمان، الامام الصادق المهدي، وكنت قد ذهبت اليه في مصر التي خرج اليها غاضبا مغاضبا، وحاورته هناك، وحاورت معه المهندس ابو بكر حامد نور القيادي في حركة العدل والمساواة وكانت الحكومة قد رفضت حتي تجديد جواز سفره السوداني رغم موافقة وزير الخارجية وهددت باعتقاله إذا دخل السفارة السودانية في القاهرة، وحاورت السيد ابراهيم الشيخ وكان خارجا لتوه من معتقلات الأمن، ولم نحذف من حديثه ولا كلمة، واستضفت الشيخ حسن ابو سليب الذي كان معارضا شرسا للحكومة، ولزعيم حزبه السيد محمد عثمان المشارك في الحكومة، واستضفت السيد عبد الرسول النور، والدكتور إبراهيم الأمين، والشيخ إبراهيم السنوسي، والبروفيسور حيدر الصافي، والسيد مبارك الفاضل، وغيرهم من الذين كانوا يعارضون الحكومة انذاك،
وكان رأيي ولا يزال بعد سقوط الإنقاذ، وقبل قيام الحرب وبعدها، ان يكون باب العمل السياسي مفتوحا للجميع، وقلت، ولا زلت أقول، لا عزل لأي شخص ارتضي العمل السياسي الديمقراطي الحر، سواء كان هذا الشخص من أولياء او شركاء النظام السابق، او من الذين والوا المليشيا في اي مرحلة من المراحل قبل ان نقدر عليهم، وهذه هي السنة، ومن هذا المنطلق لا ارحب بابراهيم بقال وحده إذا نفض يده من المليشيا واراد ان يعود الي الصف الوطني، بل ارحب ايضاً بحميدتي إذا لم يزل حيا، وعاد له رشده، بل نذهب ابعد من ذلك، ونسال الله لهم جميعا الرشد والهداية، وكان الرسول صلي الله عليه وسلم قد سال الله أن ينصر الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب، او عمرو بن هشام (ابوجهل) فاستجاب الله لدعوته، ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإسلام، ولم يرفضه احد لانه كان قد شج بالسيف وجه اخته فاطمة بنت الخطاب لأنها دخلت الإسلام، وتحقق فتح كبير علي يديه، فباب التوبة مفتوح، ثم ان الخلاف السياسي امر اجتهاد، ولقد اختلف من هم اكرم منا جميعا، اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم عليهم رضوان الله تعالي، وحارب بعضهم بعضا، وقتل بعضهم بعضا، ولم، ولن يجرؤ احد اتهام احدهم بالـكفر او الخروج عن الملة، رغم قول الرسول صلي الله عليه وسلم (إذا التقي المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار) ذلك لان هذا امر اجتهاد، للمصيب أجران، والمخطئ كذلك مأجور، والذين يقولون بغير ذلك، ويضيقون واسعا، اما جاهلون، او غافلون، وأكثرهم يسعون الي الانتفاع من إبعاد واستبعاد غيرهم.
أما مشاركة الأحزاب في اي حكم لا تكون إلا عبر الانتخابات، وليس معهودا في تجاربنا الانتقالية الناجحة، تجربة المشير سوار الذهب نموذجا، ليس معهودا مشاركة الأحزاب في الحكم في اي مستوي من مستوياته، وما حدث بعد ثورة ديسمبر، وبعد حرب أبريل ٢٠٢٣م، هي مساع لاحزاب ورقية للمشاركة في الحكم بدون تفويض شعبي، وكانوا يسعون الي ذلك عبر الجهاز التنفيذي، ولما فاتهم هذا، ابتدعوا موضوع المجلس التشريعي من باب قول اهلنا الشايقية (لو فاتك الميري اتمرنغ في ترابه) فابتدعوا حكاية المجلس التشريعي، ومعلوم انه ليس هناك مجلس للتشريع بغير انتخابات، والتشريع في الفترة الانتقالية يقوم به المجلسان، السيادي والوزراء، وهو يكون في ما يتعلق بتسيير الدولة في مرحلة الانتقال، دون الدخول في القضايا الجوهرية.
ونعود في مقالات قادمة للحديث عن العملية السياسية المرجوة، والحوار السوداني السوداني، ومشاركة الأحزاب والقوي السياسية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى