مقالات

“الابداع… السبيل العلمي”   (٢)

ضل الضحي 

بقلم/حسن عبدالفتاح الركابي

 

 

حب المعرفة والاهتمام بها هما

الهدفان الأساسيان لكل من

يتصدي لالقاء الضوء علي

جوانب الحياة المختلفة، سواء

كان من يتصدي لذلك رجل أدب أو فن أو علم أو فلسفة.

ومن خلال حب المعرفة تتوحد الغايات في قيمة عامة

مشتركة يكون هدفها فهما افضل للعالم، وتعبيرا أوضح

عن المنطق الذي ينتظم ظواهره. بل ويمكن القول

بأن صراع الفكر مع الحياة

وتطوره علي مر التاريخ، تطور

يتجه دائما نحو احتلال موقع

أفضل يمكن من الاستشراف

علي هذا الهدف.

تتوحد الغايات اذن لكن السبل

الي ذلك قد تختلف، فرجل

الأدب والشاعر والفنان تخنلف

سبلهم عن السبل التي ينتهجها

الفيلسوف أو العالم. فلكل أسلوبه الخاص في الوصول

الي غايته.

والمنهج العلمي هو أسلوب

العالم في بحثه عن المعرفة…

وهو جوهره بسيط في غاية

من البساطة، يقوم علي الملاحظة الدقيقة لظاهرة

أو لمجموعة من الظواهر لكي

ينتهي من ذلك الي وصف دقيق وواقعي للشروط التي

تحكم ظهور هذه الظواهر أو

اختفاؤها.

فعالم البيولوجيا، وعالم الكيمياء، والفيزياء، والفلك، وعالم النفس، وعالم الاجتماع

جميعهم يتجهون الي موضوعات بحوثهم بوحي من

هذا المبدأ البسيط: التعبير عن

منطق الظواهر الملاحظة بطريق القانون أو النظرية العلمية. ومن خلال القانون أو

النظرة العلمية نتمكن بعد ذلك

من التنبؤ بحقائق تنطبق علي

نفس النوع من الظواهر، أو

علي أقل تقدير يمكننا التحكم

في الظاهرة نفسها، وتطويعها

لأهدافنا.

لكن تعريف المنهج العلمي لا

يثير من المشكلات بقدر ما تثيره محاولة تطبيقه، هنا يتحول المنهج العلمي الي

منهج عسير شاق بحق.

ولا تعني هنا تلك الصعوبات

المرتبطة بالنواحي التكنيكية

في تطبيق المنهج، و تطويع

الظواهر للبحث، وضبط الملاحظات، وتصميم المقاييس الملائمة، وترجمة

الظواهر الغامضة الي ظواهر

واضحة المعالم، اننا لا نعني كل ذلك (بالرغم من أنها ايضا

جوانب تحتاج لمشقة وجهد)

لكن نعني بشكل خاص تلك

المشقة المرتبطة بتقبل الناس

لمبادئ العلم وتطبيقاته.

فقد لا نجد خلافا كبيرا في

القول بأن هذا العصر هو عصر

العلم وتطبيقاته… ومع ذلك فاننا لن نجد الا أقلية محدودة

تؤمن ايمانا عميقا بهذه الحقيقة. أكثر من هذا أن أغلبية من يتحمسون لاستخدام المنهج العلمي وتطبيقاته في موضوعات مثل

استخدام الطاقة، أو ضبط النسل، أو بناء شبكة مواصلات

حديثة قد ينظرون بعين الشك

والاستنكار للامتداد بهذا المنهج وتطبيقاته في موضوعات خاصة بالسلوك

الانساني.

وقد أمكن التعرف علي كثير من رجال العلم والفكر ممن يشهد لهم بالبراعة، والتفتح،

والدقة، والنظرة اللماحة،

والحماس للتغير الاجتماعي

والافادة من العلم وتطبيقاته،

لكن سرعان ما كانت علامات

التشكك والاستنكار تحل محل

الحماس والتمحيص اذا ما

تطرق الحديث عن موضوعات

خاصة بتربية الأطفال، والتنبؤ

بالشخصية، وعلاج الأمراض،

وتعليم الابداع، وتنشيط القدرات الابتكارية والفنية…

وغير ذلك… هنا تختلط الخرافة بالأفكار الشائعة لكي

يندفع الواحد منهم في استنتاجات تقوم علي الهوي

والتخمين لكي يثبت لك أنه

لا يؤمن بوجود خبراء لتربية

الأطفال، وأنه متحمس للطريقة التي تربي بها، وأن

الفن موهبة وطبيعة، وأن الأمراض النفسية قدر .. وأن

الشخصية تفهم بالفراسة، وأن

الابداع لا يمكن تعليمه.. وهكذا.

وفي مجال كالابداع تختلط التصورات الذاتية مع الأفكار

الشائعة التقليدية، مما أدي

الي وجود كثير من الأفكار

الخاطئة في تفهم الأبداع

الانساني وتفسيره.

فعلي مر تاريخ المعرفة البشرية انشغل المفكرون

بتقديم تصورات غامضة لتفسير تلك القوة التي تحكم

العقل الانساني عندما يجود

بالأفكار الخلاقة والاكتشافات،

والابتكارات… ارتبطت تلك

التفسيرات بأسماء متعددة

منها علي سبيل المثال ((افلاطون)) و ((كار لابل)) و

((سو ر وكن)) و ((جاك ما ريتان)) و ((لمبرزو)) و ((جانيه)) و ((فرويد))… الخ.

لكننا لسنا هنا بصدد عرض تلك

الأراء أو تقيمها، انما نجد أن

كثيرا من المعالجات السابقة

للابداع قد أدت الي عدد من

التناقضات والتصورات

الخاطئة منها علي سبيل المثال:

١- أن الابداع لا يمكن دراسته

دراسة علمية ومنظمة. لهذا فليس غريبا أن نجد فيلسوفا

مثل كانت Kant يستنتج

في كتابه ((نقد الحكم)) بان

((الابداع عملية طبيعية تخلق

قوانينها الخاصة، وأن فعل

الابداع يخضع لقوانين من

صنعه، لا يمكن للتنبؤ بها، ومن

ثم فانه لا يمكن تعليم الابداع

تعليما منظما))

٢- أن المبدع يختلف نوعيا عن غيره من البشر، أي أنه من

طبيعة مختلفة لا يمكن تحديدها.

وقد شاع هذا الراي ربما بتأثير

من بعض الفلاسفة اليونانيين

((أو العرب بعد ذلك)) من أن

العبقرية هبة مقدسة جاءت

للعبقري من العالم الالهي.

ان الانسان لا يشبه غيره من

الناس لأنه ملهم من قوة عليا..

ومطلع علي كثير من الخفايا

المقدسة.

هكذا علي الأقل فهم أفلاطون

العبقرية… وهكذا صورتها الأساطير القديمة.

لهذا نجد أن الأساطير القديمة

تصور ((أورفيوس)) ينطق

الشعر كأنه عبارات الحكمة

يتلقاها من الالهة. وكذلك صورت ((ويدالوس)) المثال

يصنع من الحجر ما ينطق

ومن الخشب أجنحة تطير.

٣- أدت هذه الأفكار ومثيلاتها

الي التطبيق من مجال نشاط

الابداع وفاعليته فأصبح

مقتصرا علي مجالات الفن والأدب… لهذا نجد أن غالبية

المعالجات السابقة كانت دائما

ما تعالج الابداع مقترنا بالفن.

فر ومانتيكيو القرن التاسع عشر علي وجه الخصوص كانوا ينظرون للأصالة والعبقرية علي انهما خاصيتان

تتعلقان بالاخلاص للجمال، والتقبل للحقائق التي يهرب

منها الأخرون.

وكانت النظرة للعبقري في الغالب تقتصر علي الفنان والشاعر.

٤- وقد كان من نتيجة ذلك أن

صاغ المفكرون تعريفات غامضة للابداع في ضوء مفاهيم مثل الوعي والامتداد،

والاحساس بالمعني، والشعور

بالخيال، والكون… وغير ذلك

من المفاهيم التي يصعب

ترجمتها الي وقائع يمكن ملاحظتها وتحديدها.

ولا شك أن شيوع مثل هذه

الاراء كانت فيما يبدو من العوامل الرئيسية التي أجلت

اقدام علم النفس علي تناول

مشكلة الابداع وفق مقتضيات

المنهج العلمي.

فعندما يقدم عالم النفس الحديث نحو مشكلة كالابداع

يحاول دراستها وتفسيرها، فأنه يعلم أن ذلك سيثير من

السخط والاحتجاج أكثر مما يثيره من رضا أو تقبل.

فالمسلمات الأساسية ستختلف، وبعض الاراء السابقة قد لا تثبت لمنهجه،

وقوالب التفكير الجامدة تصبح عندئذ موضوعا للبحث

فترفض أو تقبل….

نواصل تابعونا…………

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى