
تأملات
جمال عنقرة
ذكرت في المقال السابق أن السودان بقدر ما حقق من نجاحات في المحور العسكري في حربه ضد دولة الإمارات التي تخوضها نيابة عنها مليشيا ال دقلو الفاجرة المدعومة بمرتزقة من عرب الشتات، ومن دول اخري، أصالة عن نفسها ونيابة عن دولة الكيان الصنيوني التي تستخدمها يدا لها في المنطقة لتحقيق دولة الحلم التاريخيّ المقدس من النيل إلى الفرات، وتستغل في ذلك كل المنظمات الإقليمية والدولية، واضافت اليهم اخيرا الرباعية، التي جعلت امريكا علي رأسها وزينتها بدول ذات صلات بالسودان، لتضعف بهم شبهة التآمر ، فبقدر نجاح السودان في المحور العسكري، فشل فشلا ذريعا في كل المحاور الاخري، ويهمنا في هذا المقال فشله في تحقيق تقدم في مدنية الحكم، وفي الحوار السياسي، وهذان هما المحوران اللذان تسعي الإمارات أن تحقق عبرهما ما فشلت في تحقيقه بالغزو العسكري، بل تريد أن تعيد عبرهما إنتاج المليشيا والقوي السياسية المتحالفة معها بعد أن فقدت كل شيء، وذهبت إلى مذبلة التاريخ.
معلوم أن الحكومة بذلت مساع كثيرة قبل ذلك في هذين المحورين، لكنها لم تكن جادة، ولا صادقة، ولا متفق عليها، واستخدمت لها عناصر رخوة وضعيفة، وبعضها رخيصة، فزادت الطين بلة.
الحل الوحيد أن تتصدي الحكومة لهذه المعركة بدأت الأسلحة التي يستخدمونها ضدها، وان تستثمر اهم سلاحين في يدها، الالتفاف الشعبي والجماهيري الكبير، والنصر العسكري الساحق، فتقبل علي عمليتي المدنية والحوار السياسي، ومن بعدهما التحول الديمقراطي بقوة ومصداقية.
بالنسبة للتحول المدني كنت قد قدمت مقترحا وجد تجاوبا كبير في كثير من المحافل، وعلي مستويات عدة ، واعيد المقترح باختصار شديد، ويبدا بتحويل مجلس السيادة إلى مجلس مدني بالكامل، المشير البرهان يبقي رئيسا مدنيا للمجلس وقائدا اعلي للقوات المسلحة، ويبقي معه السيد عقار نائبا، والدكتورة سلمي ممثلة للأوسط، والدكتورة نوار للشرق، ويضاف اعضاء يمثلون كردفان ودار فور والشمالي والخرطوم من رموز وابطال وقيادات معركة الكرامة، اما اعضاء السيادي العسكريين فيذهب كباشي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، والعطا رئيساً لهيئة الأركان، وجابر مفوضا لمفوضية اعادة البناء والتعمير، وعبد الله يحي ورصاص للسلك الدبلوماسي.
اما بالنسبة للحوار السياسي، فيدعو الرئيس البرهان إلى حوار سوداني سوداني شامل لا يستثني احدا، سواء الذين كانوا حاكمين وأسقطتهم الثورة، او الذين سقطوا في براثن الفتنة بموالاة ودعم المليشيا في الحرب المعلونة، ويسبق ذلك عفو عام يشمل الجميع بلا استثناء، ويكون الحوار في العاصمة الوطنية ام درمان البقعة مبروكة الإله والدين، وتنطلق جلساته في اليوم الأول من شهر يناير عام ٢٠٢٦م الذكري السبعين لاستقلال السودان المجيد، وهذا الحوار لا يحدد من يحكم السودان، ولكن يتوافق السودانيون من خلاله علي كيف يحكمون بلدهم، اما من يحكم فهذا تحدده الانتخابات التي يتم التوافق علي زمنها وطريقة اجرائها.
القوي الوطنية لن يكون لديها مرشح لرئاسة الجمهورية غير السيد البرهان، بطل الحرب والسلام، ولكن من حق الجميع أن يتقدموا للمنافسة، بمن في ذلك البشير وحمدوك، وحميدتي لو لم يزل حيا، اما بالنسبة للانتخابات النيابية فتكون متاحة لكل القوي السياسية القديمة او الحديثة، او التي تتكون بعد ذلك، ولها ان تخوض الانتخابات منفردة او متحالفة، او منسقة مع بعضها، ويجوز بالطبع للأفراد ان يترشحوا مستقلين، ومن ينل ثقة أغلبية النواب يكون من حقه تشكيل الحكومة التنفيذية، وبذلك يكون العسكريون الذين تصدوا لقيادة الدولة بعد الثورة قد أكملوا مهمتهم بنجاح، وقطعوا الطريق علي المتآمرين الإقليميين والدوليين، ووضعوا البلاد علي اعتاب عهد جديد، نبني فيه وطنا آمناً ومستقرا، وناهضا، يسعنا جميعا بلا عزل ولا إقصاء، ولا تمييز ولا تفضيل.