مقالات

التكافل الاجتماعي والمساواة الاقتصادية

كتب : بدر الدين العتَّاق

جاء في الأثر : ” إنَّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم”.
أرملوا: تعني فَنَى زادهم أو قلَّ طعامهم – الحديث صحيح متفق عليه ( رواه البخاري ومسلم) .
يشير الحديث إلى توحيد بنية الفرد الداخلية وتربيته سلوكياً وعملياً من طرح الأنا جانباً واحضار الجماعة واقعاً ، فيما يُعرف بضرورة التكافل الاجتماعي والمساواة الاقتصادية أو مفهوم الشراكة الاقتصادية أو الاشتراكية الاجتماعية في عدم الاستئثار بالملكية الخاصَّة دون حاجة الجماعة أو دون اشراك الجميع في حالة اكتفاء ذاتي مما يقرب بين المساهمة والحاجة في السلوك الجمعي كالآتي :
١. تربية وتزكية النفس على المشاركة .
٢. تفعيل دور التكافل المجتمعي منعاً للضرر الجماعي والفردي .
٣. تعزيز دور اعادة التوزيع الاقتصادي لكفاية حاجة الفرد وحماية الجماعة من السرقة والتغول والمصادرة وخلافه .
٤. تكثيف تفعيل وتحقيق وتدقيق منع الغبن الفردي للجماعة والعكس صحيح.
٥. تربية النفس على التراحم والتوادد والمأثرة.
٦. ايثار الجماعة على الفرد مع إعطاء خصوصية الفرد حقه في الملكية الفردية أو حق التملك دون تعارض .
٧. تحقيق مبدأ التعاون في منع الفاقة والعوز عن الفرد والجماعة.
٨. تحويل مبدأ الشراكة الاقتصادية الجماعية لمبدأ ترسيخ مفهوم المجتمع الاشتراكي للدولة كنظام عقد مجتمعي .
٩. تحويل وتقنين الشراكات الذكية لعملية سياسية لفائدة الفرد ومصلحة الجماعة.
١٠. اعادة ترتيب وتدوير فائض المال ورده لمشاريع استثمارية لمصلحة الدولة.
إنَّ مفهوم المجتمع المدني الاشتراكي لهو مفهوم حداثي قديم متجدد بفضل الطاقات المبذولة في تحقيق الكفاية الذاتية والحماية المجتمعية من الظواهر السالبة كالسرقة والنهب وقطع الطريق ، ومنع التسول والفقر والبطالة والعطالة وما إلى ذلك ، ويمكن تلخيصها في محاور أهمها :
١. الحد والقطع من التغول على حقوق الآخرين بدافع الغيرة أو الحسد أو إلحاق الضرر بالآخر.
٢. اعادة الحوكمة الأهلية في تقسيم الموارد الطبيعية بمفهوم الإحصاء السكاني .
٣. تصدير الفائض واستيراد المفقود في الدولة أو المناطقية الجماعية.
٤. خلق فرص عمل على المستوى الشخصي والمؤسسي .
٥. زيادة الإنتاج والانتاجية.
٦. البحث عن استثمارات تعود على الجميع بالمنفعة العَامَّة.
٧. تلبية طلب الفرد أمام الجماعة .
٨. تلبية رغبات الجماعة أمام الفرد .
٩. تقنين التشريع اللازم لتداول المال المشترك بين المتداولين سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو مؤسسات الدولة .
١٠. سلمية التكافل والتعاون والفائدة بدوافع الإنسانية قبل القانون.
في ذات الصعيد، تتطلب هذه الشراكات الاجتماعية الاقتصادية آلية تنفيذية لتموضع المال المتداول بين أيدي الجماعة والفرد بما يحقق ميزان العدالة النظامية بينهم ويمكن تلخيصها في الآتي :
١. فتح السوق الحر المشترك بضوابط معينة .
٢. وضع الحد الأعلى للأرباح والفوائد الربوية دون استغلالها الشخصي أو المؤسسي أو الدولة خصماً على المستفيد أو المستهلك وارهاقه مالياً وعينياً .
٣. وضع الحد الأدنى والأعلى للرواتب والأجور بما يحقق العدالة والمساواة في الوظيفة والمنصب بمعيار الكفاءة لا الولاء .
٤. التبادل السلعي بين المناطق الحدودية أو تخطيها للحدود الإقليمية والدولية بطبيعة الحال .
٥. تجنيب المغالاة في الأسعار ومنع الاحتكار والحيازة غير المقننة للسلع المنقولة والثابتة .
٦. عدالة الضريبة على القيمة المضافة أو خلافه بالنسبة للسلعة وللفرد للدخل الشخصي وللجماعة ضريبة تكافلية من الدولة عليهم .
٧. تهيئة المناخ الاقتصادي الاستثماري بوضع الشروط واللوائح المنظمة للسوق الحر .
٨. تجنب الرأسمالية الطفيلية وغلبة الديون على واقع الانتاج ووسائل الانتاج.
٩. رفع سقف المنافسة والمسابقة في جودة السلع والمبيوعات .
١٠. الاهتمام بالجودة وضبط الجودة والمعايير العالمية للمواصفات والمقاييس للاستهلاك المحلي والعالمي.
بهذه المناسبة، يمكن أن يكون معمولاً بهذه السياقات أعلاه ومطبقة واقعياً لكن لا على أساس أنها من السُنَّة النَبَوِيِّة بل على أساس أنَّها من التنمية الاجتماعية المستدامة لخطط الدولة الاستراتيجية وهنا موضع التمييز بين المفهومين العمليين في العنوان أعلاه.
إنَّ النتائج النهائية لمحصلة هذا التكافل والتعاون الاشتراكي الاجتماعي لثمرة تقطف حين تأتي أكلها على النحو أدناه :
١. منع ظاهرة الإجرام والتجريم كالسرقة والنهب وقطع الطريق والخدع الإلكترونية واستعمال الذكاء الاصطناعي السالب .
٢. خلق مجتمع معافى من الجريمة والظواهر السالبة .
٣. تحقيق رفع مستوى المعيشة للفرد وللجماعة .
٤. تحقيق المساواة بين الشعب وصولاً لرفاهيته .
٥. تخفيف الاعباء المعيشية على الدولة .
٦. الاسهام في رفع القدرات الشخصية والآلية بالتدريب والتأهيل.
٧. تخطيط البنية التحتية للاقتصاد المحلي.
٨. الرقابة على السلع المنتجة وجودتها .
٩. الموازنة بين الانتاج والاكتفاء لعوامل التصدير .
١٠. عدالة الحريات العَامَّة وحقوق الإنسان في الخلق والابتكار .
في السودان سنة ١٩٨٧ تقريبًا كانت هناك تجربة ناجحة ما يعرف بــــــ ” الجمعيات التعاونية ” التي تتبنى توزيع السلع الاستهلاكية على المواطنين ببطاقة صادرة عن اللجان الشعبية بالأحياء عليها بيانات صاحب البطاقة أو رب الأسرة وعددهم إلخ ، مُهِمَّة هذه اللجان الشعبية حصر الأسر المنتجة والمتعففة ودراسة حالتها الاقتصادية ومصادر الدخول لها والإحصاء السكاني للحي بمفهوم أحقية عدالة التوزيع للسلع الاستهلاكية بما لا يخلق ضرراً ولا ضراراً وبما لا يمكِّن أفراداً أو جماعات بالزيادة أو التلاعب أو التغول على حقوق الآخرين ، ومضت هذه الجمعيات التعاونية تعمل في كفاءة وجد واجتهاد فحققت العائد المطلوب لاستقرار المعيشة وتجنباً للتضخم وارتداد تدهور العملة سلباً على المواطنين، ونجحت هذه الفكرة جداً قبل تغيير النظام الحاكم في السودان سنة ١٩٨٩ وتوقفت هذه المسيرة نحو خلق مجتمع اشتراكي مميز لا أدري لماذا .
يمكن تلخيص هذا المفهوم الجيد في الآتي :
١. التحول من مجتمع مستهلك إلى مجتمع منتج ومحافظ على الخدمات والسلع .
٢. المحافظة على القيمة المنتجة للمستهلك للحد الأدنى من الفوضى السوقية أو التعاقدية .
٣. ضبط حركة الاستهلاك والانتاج بدأ من الدولة نهاية عند المستهلك .
٤. الحد من تدفق الخسارة صعوداً نحو الربحية والفائدة سواء للدولة أو للمواطن.
٥. الرقابة على الأسرة في حالة زيادة عدد الأفراد أو نقصانهم وأخص بالذكر منع تفشي ظاهرة الحكر أو الغش أو التحايل سواء للجان الشعبية المجتمعية أو الأفراد.
٦. ضبط الوارد من الدولة المعنية للمستهلك بما يحقق الاكتفاء الذاتي في الحالات الطارئة.
٧. تحويل الفائض للمخزون الاستراتيجي للدولة .
٨. التشجيع على حسن التوظيف للاستهلاك الشخصي.
٩. خلق الوفرة والاغراق الاقتصادي للسلع والمنتوجات سواء كانت هذه السلع المستهلكة زراعية أو صناعية أو غيرها .
١٠. محورية التداول المنفعي للتبادل الاقتصادي بين مؤسسات الدولة المدنية وبين المواطنين.
هناك أمور تتصل بهذا الموضوع من ناحية السلامة والفائدة وما أشبه، يمكن تلخيصها على النحو أدناه:
١. التفريق بين الرأسمالية للدولة والاشتراكية للشعب والموازنة بينهما دون اخلال .
٢. تمليك وسائل الانتاج للقطاع الخاص والعام معاً .
٣. إمكانية شراكة الدولة مع القطاعات الخاصَّة والأفراد.
٤. نمذجة الاشتراكية في الدول الكبرى مثل الصين الشعبية وروسيا وخلافه .
٥. تداول رأس المال بأي صورة كانت بما يحفظ الحقوق والشروط والواجبات والالتزامات بين الفرد والجماعة والدولة.
٦. تفعيل دور الرقابة والأمن في سهولة انسياب حركة الوارد والصادر .
٧. الفرد هو غاية الجماعة مع مراعاة حاجة الجماعة والخصوصية لكلٍ .
٨. الموازنة بين الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة في منظور الانتاج وسوق العمل .
٩. تلبية حاجة الفرد بما لا يتعارض مع مصلحة الجماعة وتلبية مصالح الجماعة بما لا يتعارض مع مصلحة الفرد .
١٠. الاعفاءات الجمركية ومدخلات الانتاج.
بعموم ما ورد أعلاه، لا يمكن أخذ السُنَّة النَبَوِيِّة المطهرة من أفواه الفقهاء منذ القرن الثاني من الإخراج النبوي الشريف بما يحمله من تعارض واضح بين الأخذ في الاعتبار حقيقة التطور البشري نظرياً وعملياً وبين الركون لتهديدات بعض الجماعات من أنَّ السُنَّة النَبَوِيِّة هي ما ورد في الكتب القديمة لا غير ، ثم انبه هنا لضرورة الابتعاد عن النظريات الفلسفية القديمة منذ ذلكم التاريخ القديم الطويل ومحاولة إسقاط الفلسفات المعاصرة على حياة النُبُوَّة على واقعنا المعاصر اليوم للحيلولة دون الوقوع في فخ الأيدولوجيات المتعصبة التي تسوِّق لبضاعتها عبر الدين والنبي والاسلام وهم عنها وعنهم براء .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى