
التمس له عُذراً ..
أطالع كثيراً تحسُراً من البعض ،
و شكوى ،
و أحياناً كُفراناً و خيبة ،
و توعُّداً بالقطيعة ..
و سنفعل ،
و سنفعل ،
إن عُدنا و عادت الأيام ..
و هذا مبعثه إحساس مرير
بالخيبة و الخذلان ، من أناس
قريبين أو يفترض أنهم كذلك ،
لم يكونوا على قدر المأمول
و المرتجى ، عندما حلَّت
المحنة ..
و عند المحنة ،
يسأل الحميمُ حمِيمَه ،
و يرتجي القريبُ قريبَه ،
و ينتظر الحبيبُ حبيبَه ..
و المحنة ،
تكشف عن ( معادن ) الناس ،
فمنهم من تجده ،
تجد من لم تكن تلقي له بالاً ..
و منهم من تفتقده ،
تفتقد من كنت تدخره للنائبات ،
و تفتقد من كنت سميره في
النائبات ،
و تفتقد من كنت تظن أنه
عزاؤك في النائبات ..
و فعلاً ،
( يصعب معرفة ما تخفي
الأنفس ،
لكن معادن الناس تكشفها
المواقف ) ..
أو قُل ..
( الناس سواسية في وقت النعم ،
فإذا نزل البلاء تباينوا ) ..
هذه سنة ماضية في الناس إلى
يوم يُبعثون ..
فكما أن في الناس الوفاء ،
ففي الناس الخذلان ،
و في الناس النكران ،
و لكن ..
من هم الناس ؟
الإجابة ..
الناس أنا ، و أنت ، و أنتم ..
و أنا إذ ألوم فُلاناً ،
فقد أكون أنا الملوم من كثيرين ..
و هذا في الظروف العادية ،
و الحياة تمضي على نحو طبيعي ..
و لكن ،
في عموم ( المحنة ) ،
و استفحال ( البلوى ) ،
فإن الوطأة تسْتَحِّر بالجميع ،
و هذا ما نصطلي بناره اليوم ..
و اعني ،
نحن كل ( السودانيين ) ..
لذلك فلا ينبغي أن يكون هناك
لائم و ملوم ..
ففي كل الأحوال التمس لأخيك
ألف عذر ، إذا رأيته قد خذلك ،
أو لم يسارع إلى نجدتك وقد
لُذْتَ به ..
فقد يكون هوَ في حالٍ لو علمت به ،
لهانت عليك مصيبتك و احتقرتها ،
بين يدي مصيبته ..
و الأمر عندي كذلك ،
و أنا أرى و أعايش و أجد في
نفسي ، ما أصاب الناس من كربٍ مُزلزل ..
و هي حالٌ يستوي فيها
الغني و الفقير ،
الصحيح و السقيم ،
العامل و العاطل ،
المغترب و المقيم ..
فما من أحد إلا و هو مكلوم
محزون محسور ..
كل زول قلبو مقطوع ،
و كبدتو مهرودة ،
و عينو طالعة ،
و يشكو جِراحاً فوقهن جراحُ ..
كل واحد يشكو الفقد ،
ما من أحد إلا و قد فقد ،
و ما من أحد إلا و هو ينزف ..
فلا يغرنَّك ما يبدو على البعض
من تجمُّل و تجلُّد ، فلو اطّلعت
على خاصة شأنه لبدا لك منه
ما يجعل الولدان شيبا ..
فمن الناس من تطمع في عونه ،
و هو إلى عونك أحوج و أشد
حاجة ..
و ليس العون بالمال ،
فعون تطييب الخواطر و السؤال
أبلغ ..
أعرف أناساً أصابهم ما تمنوا
معه الموت ،
( ياليتني مت قبل هذا و كنت
نسياً منسياً ) ،
و تجد من يعتب عليهم ،
و يُمعِنُ في لومهم ..
و مرة قال لي أحدهم إن ( فلاناً )
لم يقف إلى جانبي في هذه
الظروف ..
قلت له لو تعرف ( ظروف )
فلان هذا ، لرثيت لحاله و عطفت
عليه ، و لكن الرجل يريكم من
نفسه تماسكاً و بأساً و يخفي
عنكم مرارةً و بؤساً ..
إن ما حدث لم يسلم منه أحد ،
فقط الناس يتفاوتون في درجات
الاحتمال و التقَبُّل ..
هناك الجازع القانط اليائس ،
و هناك الصابر المحتسب ..
و هناك الغافل غير المبالي ..
نعم ،
البعض يريد أن يكون دائماً
مكان اهتمام الآخرين و اقبالهم
عليه ،
و ينسى أن في الآخرين من
ينتظرون اهتمامه بهم
و إقباله عليهم ..
هُنا ،
و أنت تلقي باللائمة على هذا
و ذاك ،
فليكن في علمك أن هناك أيضاً
من يراك مقصراً في حقه ..
لذا ،
لاتنظرن إلى الأمور من زاوية
احتياجك للآخرين و انتظارك
لهم ..
و لكن أيضاً ،
ضع في اعتبارك احتياج الآخرين
إليك و عشمهم فيك ..
و عليه ،
من قال لك بأنه لا يملك ،
فليكن ظنك به أنه لا يملك ..
و من قال لك بأنه لا يستطيع
فليكن ظنك به أنه فعلاً
لا يستطيع ..
و من تأخر عليك ،
فليكن ظنك به أن هناك
ما حبسه عنك و قعد به ..
و من لم يسأل عنك فبادر
بالسؤال عنه ، فلعله لسؤالك
عنه أحوج من سؤاله عنك ..
و في كل الأحوال ،
التمس لأخيك عُذراً ،
و ياخي أعذرني ،
و أنا عاذرك ..
و عُذرا ..
حسن فضل المولى ..
٥ أبريل ٢٠٢٤ ..