
الجنرال البرهان كسب الرهان بقلم: علاء الدين محمد أبكر
الجنرال البرهان كسب الرهان
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
عندما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية منح رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تأشيرة الدخول إليها لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت تظن أنها أمسكت بورقة ضغط أخيرة، وكانت تظن أن البرهان سينكسر ويركع، ويهرول إلى واشنطن ليقبل بشروطها المهينة مقابل ختم على جواز سفر.
كانت واشنطن تتعامل بعقليتها الاستعمارية القديمة؛ العقلية نفسها التي تظن أن العالم كله يجب أن يقف في الطابور أمام سفارتها، وأن رؤساء العالم يجب أن يقبّلوا يدها لكي يُسمح لهم بالجلوس على مقاعد الأمم المتحدة. نسيت أن الأمم المتحدة ليست ملكاً لها، وأن نيويورك ليست إلا مدينة مستضيفة وليست حاكمة للعالم.
ولكنها لم تكن تعرف من هو الجنرال البرهان، ولم تكن تعرف من هو الشعب السوداني، ولم تقرأ تاريخ هذا البلد الذي لا يعرف الانكسار.
بكل عزة نفس، وبكل شموخ سوداني أصيل، وبكل كبرياء رجل تربى في المؤسسة العسكرية السودانية التي علمته أن الوطن فوق كل شيء، رفض الفريق أول عبد الفتاح البرهان المساومة بأمن البلاد وسيادتها مقابل تأشيرة دخول. رفض أن يبيع السودان في سوق السياسة الأمريكية الرخيص، ورفض أن يكون رئيساً يأتمر بأمر وزارة الخارجية الأمريكية. قالها واضحة وصريحة: السودان لا يُباع، وسيادته لا يُساوم عليها، وكرامته فوق كل تأشيرة، وفوق كل منبر، وفوق كل جلسة.
وبكل أسف، هناك رؤساء دول ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها قوة خارقة لا تُقهر، ويجب طاعتها والسجود أمام بيتها الأبيض، وتنفيذ أوامرها دون نقاش. فات عليهم أنها دولة عادية، مثلها مثل غيرها من الدول، هُزمت عسكرياً في الماضي القريب والبعيد، ودفعت ثمن غطرستها.
هُزمت في فيتنام شر هزيمة، وجرّت أذيال الخيبة من مستنقعها بعد أن قتلت الملايين، وفرّ جنودها يبكون أمام كاميرات العالم. وهُزمت في الصومال حين سُحلت جثث جنودها في شوارع مقديشو، فهربت في جنح الظلام. وهُزمت وفرّت هاربة مذعورة في أفغانستان بعد عشرين عاماً من الحرب والدمار، تاركة خلفها عملاءها تعلقوا بعجلات طائراتها في مشهد سيبقى وصمة عار في جبينها إلى الأبد.
وهي دولة تستخدم الأساليب القذرة في حروبها، لا تعرف شرف القتال، ولا أخلاق الحروب، ولا قوانين الإنسانية. فكان استخدامها للقنبلة النووية في هيروشيما ونagasaki ضـد اليابان أكبر دليل على أنها أول من انتهك حقوق الإنسان في التاريخ الحديث، وأول من مارس الإرهاب النووي في تاريخ البشرية؛ تقتل المدنيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد، ثم تأتي اليوم لتعطينا دروساً في حقوق الإنسان وحماية المدنيين! أي نفاق هذا؟
عاد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش إلى بلاده ليجد استقبال الفاتحين. عاد مرفوع الرأس، عزيز النفس، شامخاً كجبل مرّة، فوجد المطارات والشوارع تمتلئ بالجماهير التي خرجت تحييه من كل حدب وصوب؛ لا لشخصه فحسب، بل لأنه مَثّل موقف السودان كله، ولأنه يجسد الكرامة السودانية التي وجدت من يدافع عنها.
إن القرار الذي اتخذه بعدم قبول شروط أمريكا مقابل الحصول على التأشيرة زاد من شعبيته واحترام الجماهير له بشكل غير مسبوق. فالشعب السوداني قد يختلف معك سياسياً، وقد ينتقدك في الداخل، وقد يعارضك في الرأي، وهذا حق مشروع، ولكنه في حالة المساس بالسودان وسيادته وكرامته وأمنه القومي، يتحول إلى كتلة واحدة، وصخرة صلبة، وقبضة واحدة ترفض الخنوع والانبطاح، ويقف كله خلف قائده وجيشه.
هذا هو السودان الذي لا تعرفه أمريكا؛ شعبٌ إذا اختلف في الداخل توحد في وجه الخارج، شعبٌ لا يبيع كرامته بثمن.
طرق البرهان أبواب روسيا، فوجد دولة تحترم الدول ولا تتعامل بمنطق السيد والعبد. استقبل الرئيس فلاديمير بوتين الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالطريقة التي تليق برئيس دولة بحجم السودان؛ دولة ذات حضارة تمتد لسبعة آلاف عام، ومساحة بحجم قارة، وثروات تملأ الأرض. كان استقبال الرؤساء لا التابعين، استقبال الند للند، والقائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
هناك في الكرملين، جلس البرهان مرفوع الرأس لأنه يمثل بلداً مرفوع الرأس، وهناك أدركت موسكو أنها أمام قائد يمثل شعباً عظيماً لا يركع.
واليوم تعض أمريكا أصابع الندم على التفريط في السودان بمحاولتها تركيع شعبه، ظناً منها أنه مثل باقي الشعوب التي يسهل استعمارها. لقد خسرت واشنطن السودان، وخسرت بوابة إفريقيا والبحر الأحمر، وخسرت شعباً كان يمكن أن يكون صديقاً وشريكاً محترماً، لكنها أرادت له أن يكون تابعاً ذليلاً، والسودان لا يقبل التبعية.
لقد ربح الجنرال البرهان الرهان، وكسب الجولة بامتياز، وفتح للسودان آفاقاً جديدة، وأثبت للعالم أجمع أن السودان دولة لا تقبل الانكسار ولا الانحناء.
كانت رسالة رئيس مجلس السيادة واضحة للعالم كله: من أراد التعامل معنا باحترام فأهلاً وسهلاً وعلى العين والرأس، ومن أراد التعامل كأنداد وشرفاء وأصدقاء فمرحباً به في الخرطوم وبورتسودان. أما من أراد التقليل من شأن السودان أو ابتزازه أو المساومة على سيادته وكرامة شعب، فلن يجد منا إلا الإعراض، وستُغلق الأبواب في وجهه إلى الأبد.
لقد كسب الجنرال الرهان، وكسب السودان معه كرامته، واستعاد شعبه ثقة جديدة في قيادته.
تحية لجنرال رفع رأس السودان في زمن الانبطاح.. وتحية لشعب لا يركع إلا لله الواحد القهار.
علاء الدين محمد ابكرalaam9770@gmail.com