
الحق والباطل
عبدالله مسعود
حصاد الألسن
جاء في الأساطير العربية أن الحق والباطل خرجا من قريتهما في نزهة للترويح عن النفس فضلّا الطريق عند العودة، ونال منهما التعب والجوع والعطش. أشار الباطل إلي الحق في أن يلتمس لهما رزقاً بالسعي في مناكب الأرض علي أن يخلد الباطل للراحة، إذ كانا في غاية التعب.
ذهب الحق وعاد بعد حينٍ خاوي الوفاض، مبدياً أسفه في أنه لم يجد رزقاً حلالاً يقتاتان به، لذا فضل أن يصبرا علي المخمصة بدلا من أن يلج الحرام جوفهما أو يجد سبيلاً إليهما. غضب الباطل من تصرف الحق أيما غضب وأمر الحق أن يمكث في ذلك المكان ولا يبرحه وسيأتيه بما يسد رمقهما. ذهب الباطل وعاد بعد هنيهة محملاً بما لذ وطاب من صنوف الطعام والشراب وطلب من الحق أن يشاركه في تناول ذلك الطعام، إلا أن الحق رفض أن يمد يده لذلك الطعام قبل أن يعرف مصدره، وهل هو حلال أم حرام!!
سخر الباطل من الحق ودخل الإثنان في جدلٍ حامٍ انتهي بهما إلى الإشتباك والإقتتال، فقتل الباطل الحق. خاف الباطل أن يعثر أهل القرية على الجثة، ولابد أن تتجه أصابع الإتهام إلى الباطل حيث شاهد أهل القرية الحق والباطل يخرجان معاً إلي تلك النزهة، فسولت له نفسه محو آثار الجريمة بحرق الجثة حتى لا يتم التعرف عليها. جمع حطباً ورمي بالجثة في داخله وقام بإضرام حريق هائل أحال جثة الحق إلى مسحوق أسود.
عاد الباطل إلى القرية زاعماً بأنهما إفترقا وظن أن الحق قد سبقه إلى القرية. خرج أهل القرية عن بكرة أبيهم يبحثون عن الحق المفقود، وبعد بحث مضني لم يجدوا شيئاً سوى مسحوق أسود، سكبوا عليه الماء فصار حبراً. أخذوا الحبر فاستخدموه في الكتابة على الورق، فصار الحق حبراً علي ورق.
ألا تذكركم تلك الأسطورة باتفاقيات السلام المزعوم بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ إتفاقية أوسلو وإتفاقية مدريد وإتفاقية جنيف وخارطة الطريق!!؟ وستليها أرتال من الإتفاقيات التي هي في واقع الأمر مجرد حبر علي ورق؛ هذا بالطبع يثلج صدور حكامنا العرب الذين يرتعشون رعشة الموت الأكيد لمجرد خوفهم ألا يرضى عنهم سادتهم وكبراؤهم.
تلك الأسطورة روتها فيما روت، الشاعرة الأردنية الآنسة فدوى طوقان في حوار أجرته معها إذاعة البي بي سي، تحدثت فيه عن شِعرها وتلت نماذج منه وتطرقت لحياتها الخاصة ثم دلفت إلى القضية الفلسطينية (الهم الأول لكل عربي أبي) فعبرت تعبيراً صادقاً عما يختلج في صدر كل عربي غيور، رأيت أن أنقل للقارئ الذي فاته الإستماع لذلك الحوار القيم موضوعه المحض، وإن كنت أعتبر أن الأسطورة العربية التي أوردتها تتسم بكثير من الحكمة وهي جوهر الموضوع.